قلنا: لهذا نرى المسألة في محل الاجتهاد، ولا يَبْعُدُ المنعُ من ذلك، ويتأيّدُ بمسألة السفينة، وأنه يلزم منه [القول بإباحة] قتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها، ترجيحًا للكثرة؛ إذ لا خلاف في أن كافرا لو قصد قتل عدد محصور كعشرة، مثلا، وتترس بمسلم، فلا يجوز لهم قتل الترس في الدفع، بل حكمُهم كحُكم عشْرةٍ أكرهوا على قتلٍ، أو اضطروا في مخمصةٍ إلى أكل واحد. وإنما نشأ هذا من الكثرة، ومن كونه كليا، لكن للكلي الذي لا يُحصر حكمٌ آخر أقوى من الترجيح بكثرة العدد. وكذلك لو اشتبهت أختُه بنساء بلدة حلَّ له النكاح ولو اشتبهت بعشرة وعشرين لم يحل. ولا خلاف أنهم لو تترسوا بنسائهم وذراريهم قاتلناهم، وإن كان التحريمُ عاما، لكن تخصِّصه بغير هذه الصورة، فكذلك هاهنا التخصيصُ ممكن. وقولُ القائل: هذا سفكُ دمٍ محرَّم معصوم. يعارضُهُ أن في الكف عنه إهلاكُ دماءٍ معصومة لا حصر لها. ونحن نعلم أن الشرع يُؤثر الكلي على الجزئي، فإنَّ حِفْظَ أهل الإسلام عن اصطلام الكفار أهمُّ في مقصود الشرع من حفظ دم مسلمٍ واحد. فهذا مقطوع به من مقصود الشرع. والمقطوع به لا يحتاج إلى شهادة أصل )) [1] .
واضحٌ من خلال كلام الغزالي هذا أنه يجيز قتل الترس ـ وبالتالي يجيز تخصيص عموم النصوص العاصمة لدم المسلم بالمصلحة ـ بشروط، وهي:
1.أن تكون المصلحة مما يقع في رتبة الضرورات كحفظ النفس، لا مما يقع في رتبة الحاجيات أو التحسينيات.
2.أن تكون المصلحة متحقِّقة الوقوع لا متوهمة، أي أن تكون المصلحة قطعية أو قريبة من القطع.
3.أن تكون المصلحة عامة أو كلية، أي أنها تنال عددا كبيرا جدا من الناس لا عددا محصورا.
أما رأيُنا في هذه المسألة، فنرتبه في مقامين:
أحدهما: مقام الحديث عن تخصيص العموم بالمصلحة بوجه عام.
والآخر: مقام الحديث عن مسألة الترس بوجه خاص.
المقام الأول: تخصيص العموم بالمصلحة.
لا شك أن كلا طرفي قصد الأمور ذميم، فإطلاق القول بتخصيص العموم بالمصلحة إفراط، وإطلاق القول بإهمال المصلحة إذا عارضت العموم تفريط. والقول الوسط في ذلك هو أن لكل مسألة يتعارض فيها العموم مع المصلحة مذاقا خاصا، فربما يترجح العموم أحيانا، وربما تترجح المصلحة أحيانا أخرى، وذلك بحسب (( معايير القوة ) )التي يتمتع بها كلٌّ من العموم والمصلحة.
(1) الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 294 ـ 303.