فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 384

فالعموم على درجات ـ كما ذكر الأصوليون ـ فمنه القوي، ومنه الوسط، ومنه الضعيف [1] .

أما المصلحة فهي أيضا على درجات. ومعايير القوة في المصلحة هي أربعة فيما أرى:

أحدها: قوة الأصل. أي قوة الدليل أو الأدلة التي انبثقت عنها هذه المصلحة: فمن الأدلة ما يكون قطعيا، ومنها ما يكون ظنيا، والظن نفسه درجات.

والمعيار الثاني: الرتبة، فما يقع من المصالح في رتبة الضروريات لا شك هو أقوى مما يقع في رتبة الحاجيات. وما يقع في رتبة الحاجيات أقوى مما يقع في رتبة التحسينيات.

والمعيار الثالث: درجة التحقق. فمن المصالح ما يكون تحققه في رتبة القطع، ومنه ما يكون في رتبة الظن، والظن درجات، ومنه ما يكون في رتبة الوهم. فالمصلحة القطعية أقوى مما بعدها.

والمعيار الرابع: درجة العموم. فالمصلحة قد تكون عامة بحيث تشمل جميع الأمة أو بحيث تشمل أهل مدينة ما، أو بحيث تشمل أهل حي ما ... وهكذا حتى تكون خاصة بفرد أو مجموعة أفراد محدودين. فالمصلحة العامة أقوى من الخاصة بحسب درجة عمومها.

وإذا دققنا النظر في هذه المعايير الأربعة، فإنها ـ سوى المعيار الأول ـ هي نفسها الشروط التي اشترطها الغزالي في المصلحة المخصِّصة للعموم. لكنه اشترط في هذه المصلحة أن تحوز على الدرجة العليا في كل معيار من هذه المعايير، ولذا قال بالتخصيص بشرط أن تكون المصلحة ضرورية، قطعية، كلية (= عامة) .

أما نحن فلا نرى ما رآه الغزالي:

فأما بالنسبة لضرورية المصلحة، فيجوز تخصيص العموم بالمصلحة الحاجية الرافعة للحرج، وهو ديدن العلماء في كثير من المسائل. وخذ مثالا على ذلك عفو الشافعية عن خرء الطيور ـ مع قولهم بنجاسته ـ إذا عم في المساجد وفي المطاف، فلا يكون مانعا من صحة الصلاة [2] ، مخصصين بذلك عموم الأدلة الدالة على اجتناب النجاسة في الصلاة، مثل: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (المدثر:4) وخذ مثالا على ذلك، هذه الأيام، إباحة الذهاب إلى الجامعات والأسواق ـ مع ما فيها من المناكر والتعري والاختلاط ـ رفعا للحرج عن الناس وجلبا لمصالحهم. قال الشاطبي، رحمه الله تعالى: (( القواعد المشروعة بالأصل، إذا داخلتها المناكر ـ كالبيع والشراء والمخالطة والمساكنة إذا كَثُر الفساد في الأرض واشتهرت المناكر ـ بحيث صار المكلف عند أخذه في حاجاته وتصرفه في أحواله لا يسلم في الغالب من لقاء المنكر أو ملابسته، فالظاهر يقتضي الكف عن كل ما يؤديه إلى هذا. ولكن الحق يقتضي أن لا بدَّ له من

(1) انظر: المرجع السابق، ج 1،ص 402 ـ 407.

(2) انظر: النووي، المجموع، ج 2، 508. والسيوطي، الأشباه والنظائر، ص 83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت