اقتضاء حاجاته، كانت مطلوبةً بالجزء أو بالكل، وهى: إما مطلوب بالأصل، وإما خادم للمطلوب بالأصل؛ لأنه إن فُرِض الكفُّ عن ذلك أدى إلى التضييق والحرج، أو تكليف ما لا يُطاق. وذلك مرفوع عن هذه الأمة. فلا بد للإنسان من ذلك، لكن مع الكفّ عما يُستطاع الكفُّ عنه، وما سواه فمعفوٌ عنه؛ لأنه بحكم التبعية لا بحكم الأصل ... وقد قال ابن العربي في مسألة دخول الحمَّام، بعدما ذَكَرَ جوازَه: فإن قيل: فالحمّام دارٌ يغلب فيها المنكر فدخولها إلى أن يكون حراما أقربُ منه إلى أن يكون مكروها، فكيف أن يكون جائزا؟ قلنا: الحمَّام موضع تداوٍ وتطهُّرٍ فصار بمنزلة النهر، فإنَّ المنكر قد غلب فيه بكشف العورات وتظاهر المنكرات، فإذا احتاج إليه المرء دخله، ودَفَعَ المنكر عن بصره وسمعه ما أمكنه. والمنكرُ اليوم في المساجد والبلدان، فالحمّام كالبلد عموما، وكالنهر خصوصا )) [1] .
وأما بالنسبة لتحقُّق المصلحة، فلا يُشترط فيها القطع قولا واحدا، لأنه عسير الوجود، وإنما تكفي غلبة الظن. والظن على درجات. ويُتخفف من قوته بحسب قوة العموم المعارض، لكن لا ننزل به إلى درجة الوهم. والله أعلم.
وأما بالنسبة لعموم المصلحة، فلا شك أن عمومها يمنحها قوة، لكنه، أيضا ليس بشرطٍ فيها، فقد تُقدَّم المصلحة على اللفظ العام أحيانا مع كونها مصلحة خاصة. وهذا كما في إباحة إجهاض الجنين إذا كانت ولادته ستؤدي إلى موت أمه قطعا أو ظنا غالبا. فمصلحة الأم في هذه الحالة هي مصلحة خاصة لكنها ضرورية، قطعية أو قريبة من القطع، ومع هذا خصَّصنا بها عموم النصوص المحرِّمة للقتل.
المقام الثاني: مسألة الترس:
إذا نظرنا إلى هذه المسألة من زاوية أن إباحة قتل الترس تحقق مصلحةً تتمثل في حفظ نفوس الأمة، فلا اعتراض على الغزالي فيما قرره في هذا الشأن من اشتراط الضرورة والقطع والكلية. لكنه لا يتعين علينا أن ننظر إلى المسألة من الزاوية نفسها؛ إذ في قتل الترس حفظ مصلحة هي أهم من مصلحة حفظ النفوس، ألا وهي حفظ الدين ونشره. فمن المقاصد الضرورية للشريعة أن لا يكون ثمة سبيلٌ للكافرين على المؤمنين وأن يبلغ الدين ما بلغ الليل والنهار بعز عزيز أو بذل ذليل. ولأجل هذه المصلحة يُضحَّى بجميع المصالح الأخرى من حفظ النفس وحفظ المال وغيرها، ودليل ذلك: إيجاب الجهاد ولو ترتب عليه زهوق النفوس وفناء الأموال وخراب الديار، بل أجاز الشرع التسبب في قتل النفس يقينا إذا غلب على ظن من فعل ذلك أن ينكّل بالكفار ويوقع فيهم القتل والأذى.
وعليه، فلا نرى ما رآه الغزالي من أنه يجوز قتل الترس المسلم في حالة هجوم الأعداء علينا، وفي حالة إرادتهم استئصال المسلمين جميعا فحسب، بل وحتى في حالة إرادتنا
(1) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 232،233.