في الغالب ـ لا بإطلاق ـ على الدليل غير الصريح [1] . وممن وجدناه من الأصوليين يستخدم القرينة في هذا المعنى ابنُ رشد. وذلك حينما جعل الأدلة تنقسم إلى لفظ وإلى قرينة أي: إلى صريح في الدلالة، وإلى غير صريح. وجعل القرينة تشتمل على دلالة الفعل النبوي والإقرار. قال رحمه الله: (( الأشياء التي يقع بها الفهم عن النبي، صلى الله عليه وسلم ...: إما لفظ، وإما قرينة. واللفظ ينقسم إلى ما يدل على الحكم بصيغته، وإلى ما يدل بمفهومه ومعقوله. والقرينة تنقسم إلى قسمين: أحدهما فعله، صلى الله عليه وسلم، والآخر: إقراره على الحكم ) ) [2] . وقال: (( وقد بقي علينا من طرق الأدلة الشرعية الدليل الذي هو فعله، صلى الله عليه وسلم، وإقراره. وهذان الصنفان ليس هما أدلة من جهة صيغ الألفاظ أو مفهوماتها، بل من جهة ما هي قرائن ) ) [3] . ولست ممن يحبِّذون هذا النوع من التوسيع في نطاق النظرية، وذلك:
• من جهة أولى: لعدم شيوع استخدام القرينة في هذا المعنى عند الأصوليين.
• ومن جهة ثانية: لعدم انضباط معنى الصراحة نفسه في هذا الاستعمال للقرينة، لأنا سنجد أيضا أنه حتى الدلالة باللفظ: منها ما هو صريح، ومنها ما ليس صريحا. وبالتالي تبطل القسمة التي اقترحها ابن رشد للأدلة وتتداخل.
هذا ما يتعلق بتوسيع نطاق النظرية وتضييقه من خلال التحكم بقيد الاقتران بالنص.
• وأما قيد التأثير: فيمكننا بواسطته التحكم بنطاق النظرية من خلال التزيُّد أو التنقُّص في مجال التأثير الذي تلقيه القرينة على النص. وقد قلنا بأن ثمة أربعة مجالات للتأثير على النص هي: الثبوت والدلالة والإحكام والترجيح.
فإذا أردنا التمشي مع عموم اللغة الأصولية اقتصرنا بالقرينة على مجال الدلالة فقط، وذلك لأنه لم يشعِ استخدامُ القرينة عند الأصوليين حقّ الشيوع إلا في هذا المجال. وعليه، يتضيق نطاق النظرية لينطبق فقط على كل دليل اقترن بالنص فأثر على دلالته.
فإذا أردنا، ولا بد، توسيع نطاق النظرية أدخلنا فيه، بالإضافة إلى مجال الدلالة، مجالَ الثبوت، لأن القرينة عند الأصوليين مستخدمةٌ فيه أيضا، وإنْ بدرجة أقل بكثير من استخدامها في مجال الدلالة.
لكن الذي أراه: أنّا، وإن جعلنا الاستعمال الأصولي لمصطلح القرينة مؤشِّرا على نطاق النظرية، إلا أنه لا ينبغي لنا أن نجعله قيدا شديد الصَّرامة عليه، وبالتالي سيفا قاطعا لكل امتداد للنظرية خارجا عنه، خصوصا إذا كان هذا الامتداد يتَّحد مع النظرية في جوهر معناها.
(1) انظر: ص 154.
(2) ابن رشد، الضروري، ص 101.
(3) ابن رشد، الضروري، ص 132.