فالمنهج الحق، حينئذ، هو أن نتبع المعنى دون اللفظ، وأن لا نعبأ بالأسامي إذا أُحكمت المعاني، مسترشدين في ذلك بأبي حامد الغزالي في قوله: (( إن من طلب المعاني من الألفاظ ضاع وهلك، وكان كمن استدبر المغرب وهو يطلبه. ومن قرر المعاني أولا في عقله، ثم أتبع المعاني الألفاظ فقد اهتدى ) ) [1] ، فلا يضيرنا، والحال هذه، أنِ استخدم الأصوليون، في أكثرهم، لفظَ القرينة في مجال الدلالة ولم يستخدموه في مجال النسخ أو الترجيح، وإنما استخدموا غيره من الألفاظ المعبرة عنه كالدليل والدلالة والأمارة، لأن الدلالة والثبوت والإحكام والترجيح كلها مجالات للنص تتأثر بالأدلة المقارنة له، فما المعنى أن نخص بعض هذه الأدلة بلفظ القرينة بينما لا نجعل باقي الأدلة مثل ذلك؟!
وإذن، فنطاق النظرية التي نقترحها للقرينة الأصولية يمتد ليشمل: كلَّ دليل اقترن بالنص فأثر في دلالته أو ثبوته أو إحكامه أو ترجيحه.
ولقد تعزز الرأي لدي بأن تأثير القرينة على النص منحصر في هذه المجالات الأربع فقط، وأنه لم يغب عنّي مجال آخر من مجالات التأثير، بما فعله الشريف التلمساني (ت 771 ه (في محاولته المبتكرة لترتيب علم الأصول: إذ جعل البحث الأصولي حول النص ينحصر، بمجمله، في شروط أربعة فقط للنص المستَدَلّ به، هي نفسها مجالات تأثير القرينة على النص التي حدَّدنا نطاق النظرية بها. قال، رحمه الله تعالى، في مقدمة كتابه:(( اعلم أن الأصل النقلي [= النص] يُشترط فيه: أن يكون صحيح السَّند إلى الشارع صلوات الله عليه. متضحَ الدلالة على الحكم المطلوب. مستمرَّ الإحكام. راجحًا على كل ما يعارضه. فهذه أربعة شروط ينبغي أن نعقد في كل شرطٍ بابا ... ) ) [2] .
وللمزيد من التوضيح في هذا المقام نُجري القسمة التالية لِ (( النص المستَدَلّ به ) )والتي نبين فيها الإمكانات المحتملة لمجالات تأثير القرينة على النص، مع بيان نوع القرينة المؤثرة بحسب المجالات الأربعة التي حددناها، فنقول:
النص المستدَلّ به على حكم أو معنى ما: إما أن يُنظر إليه على حِدَة، وإما أن يُنظر إليه مع غيره من النصوص.
• فإن نُظر إليه على حِدَة، فلا يصح الاستدلال به إلا بعد إثبات أمرين:
أحدهما: ثبوته عن النبي، صلى الله عليه وسلم.
والثاني: دلالته على المراد.
(1) الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 21.
(2) التلمساني، مفتاح الوصول، ص 4.