والقرينة الثالثة: أن لا يوقف على الخبر بعد التفتيش عنه في بطون الكتب أو صدور الرواة. ذكرها الرازي [1] وغيره. قال ابن دقيق العيد: (( وفيما ذكروه نظر عندي، لأنهم إن أرادوا جميع الدفاتر وجميع الرواة، فالإحاطة بذلك متعذرة مع انتشار أقطار الإسلام، وإن أرادوا الأكثر من الدفاتر والرواة فهذا لا يفيد إلا الظن العرفي، ولا يفيد القطع ) ) [2] . قلت: وفي زماننا هذا، بعد طباعة الكتب، وإمكان الاستقراء الكلي عن طريق الحاسب الآلي، يمكن القطع بالتكذيب.
والقرينة الرابعة: أن يُعارِض الخبرُ، قاطعا شرعيا، مع عدم قبول هذا الخبر للتأويل ـ غير المتكلَّف ـ أو النسخ. فمن ذلك مثلا: الخبر الذي يُروى عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم،: (( أمتي هذه أمّةٌ مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل ) ) [3] . فهذا معارِض للأخبار الكثيرة التي وردت بذكر تعذيب الله تعالى لأناس من هذه الأمة. ومن هذا الباب أنكرت عائشة، رضي الله عنها، خبر ابن عمر عن أبيه رضي الله عنهما: (( إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ) )قالت: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (( إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه ) ). وقالت: حسبُكم القرآن: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (النجم:38) . قال ابن عباس: رضي الله عنهما، عند ذلك: واللّهُ {هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} (النجم:43) [4] . قال ابن أبي مليكة: واللهِ ما قال ابن عمر، رضي الله عنهما، شيئا [5] . ومن هذا الباب أيضا إنكار أبي أيوب الأنصاري، رضي الله عنه، خبر محمود بن الربيع عن عِتبان بن مالك، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (( ... فإن الله قد حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجهه ) ). قال أبو أيوب: (( والله ما أظن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال ما قلتَ قطّ ) ) [6] .
والقرينة الخامسة: أن يُعارٍض الخبرُ، قاطعا واقعيا، مع عدم قبوله للتأويل ـ غير المتكلف ـ أو النسخ. كأن يفيد الخبر وقوع شيء في وقت ما ثم يأتي هذا الوقت ولا يقع المخبر عنه، أو كأن يدل الخبر على قضية ما كانت غائبة وقت صدور الخبر إلا أنه وبمضي الزمن أمكن الكشف عن هذه القضية فوُجدت على خلاف الخبر. ويمكن التمثيل لذلك بالخبر الذي رواه البخاري: عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: قال النبي، صلى الله عليه
(1) انظر: الرازي، المحصول، ج 2، ص 151.
(2) نقله عنه: الزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 254.
(3) أبو داود، السنن، (3730) .
(4) ومقصود ابن عباس أن البكاء مما جَبَل الله ابن آدم عليه فكيف يؤاخذه أو غيره به؟
(5) البخاري، الصحيح، (1206) .
(6) البخاري، الصحيح، (1113) .