وسلم، لأبي ذر حين غربت الشمس: (( أتدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يُقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يُقال لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (يس:38 ) )) [1] .
القسم الثاني: القرائن المرجِّحة لعدم صحة الخبر:
منها ما يعود إلى السند، ومنها ما يعود إلى المتن:
-فأما التي تعود إلى السند، فهي الشرائط السلبية التي وضعها العلماء لصحة خبر الآحاد.
وهذه الشرائط أو القرائن نوعان:
أحدهما: قرائن كذب أو خطأ الراوي: وضابطها: اتصافه بصفة تغلب على الظن عدم صدق ما أخبر به. وهي: إما عامة تؤثر على مجمل رواياته: كالصغر أو الجنون أو الفسق أو الابتداع أو الغفلة أو الاختلاط. وإما خاصة تؤثر على رواية محددة من رواياته: كأن يضطرب في رواية حديث: مرةً يرفعه ومرةً يقفه، أو يتفرد بنقل زيادة لم ينقلها الأكثر ممن رووا الحديث. أو كأن ينكر شيخ الراوي أنه يعرف الحديث أو أنه حدَّث به وغير ذلك.
والنوع الثاني: قرائن انقطاع السند: كوجود الإرسال أو التدليس.
-وأما التي تعود إلى المتن فيُذكر منها:
• كون الخبر مخالفا للقياس أو القواعد العامة، مع عدم فقه راويه. ويُمثل له بحيث أبي هريرة في المصراة إذ هو مخالف لقاعدة الضمان بالمثل أو القيمة.
• كون الخبر فيما تعم به البلوى. ويُمثَّل له بحديث إيجاب الوضوء من مس الذكر. وقال بهذه القرينة والتي قبْلها بعضُ الحنفية ونازعهم فيهما الشافعية [2] .
(1) البخاري، الصحيح، (2960) . قال ابن حجر: (( وظاهره [أي الحديث] مغاير لقول أهل الهيئة أن الشمس مرصعة في الفلك، فإنه يقتضي أن الذي يسير هو الفلك وظاهر الحديث أنها هي التي تسير وتجري ... قال ابن العربي: (( أنكر قوم سجودها وهو صحيح ممكن، وتأوله قوم على ما هي عليه من التسخير الدائم، ولا مانع أن تخرج عن مجراها فتسجد ثم ترجع. قلت [ابن حجر] : إن أراد بالخروج الوقوف فواضح، وإلا فلا دليل على الخروج، ويُحتمل أن يكون المراد بالسجود سجود من هو موكل بها من الملائكة، أو تسجد بصورة الحال فيكون عبارة عن الزيادة في الانقياد والخضوع في ذلك الحين ) ). ابن حجر: أحمد بن علي، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ومحب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379 هـ. قلت ـ أيمن ـ وهي تأويلات متكلفة جدا، ويبطلها أن الشمس لا تغرب عن الأرض أصلا بل هي في كل لحظة تغرب عن بقعة وتشرق على أخرى. فتخطئة الرواة أقرب إلى الظن من القول بهذه التأويلات، والله أعلم.
(2) انظر: السرخسي، أصول السرخسي، ج 1، ص 339 ـ 341، ص 368. وابن السمعاني، قواطع الأدلة ج 1، ص 358 ـ 365.