فلما قرأ المأمون الكتاب كتب مجيبا له:
«أما بعد: فقد بلغنى كتاب أمير المؤمنين، ولم يكتب فيما جهل فأكشف له عن وجهه؟ ولم يسأل ما لا يوجبه حق فيلزمنى الحجّة بترك إجابته؟ وإنما يتجاوز المناظران منزلة النّصفة [1] ما ضاقت النّصفة عن أهلها، فمتى تجاوز متجاوز- وهى موجودة- ولم يكن تجاوزها إلا عن نقضها واحتمال ما في تركها؟ فلا تبعثنى يابن أبى على مخالفتك وأنا مذعن بطاعتك، ولا على قطيعتك وأنا على إيثار [2] ما تحبّ من صلتك، وارض مما حكم به الحقّ في أمرك، أكن بالمكان الذى أنزلنى به الحقّ فيما بينى وبينك والسلام» . (تاريخ الطبرى 1: 134)
فلما وصل كتاب المأمون إلى الأمين غضب وتغيظ وأمر بالإمساك عن الدعاء له على المنابر، وكتب إليه:
«أما بعد: فقد بلغنى كتابك عامطا [3] لنعمة الله عليك فيما مكّن لك من ظلّها [4] متعرّضا لحراق نار [5] لا قبل لك بها، ولحطّك عن الطاعة [6] كان أودع، وإن كان قد تقدّم منى متقدّم [7] فليس بخارج من مواضع نفعك، إذ كان راجعا على العامة من رعيّتك، وأكثر من ذلك ما يمكّن لك من منزلة السلامة، ويثبت لك من حال الهدنة [8] ، فأعلمنى رأيك أعمل عليه إن شاء الله» . (تاريخ الطبرى 10: 134)
(1) النصفة: الإنصاف والعدل.
(2) أى تقديم وتفضيل.
(3) عمط نعمة الله وغمطها كضرب وسمع فيهما: بطرها وكفرها ولم يشكرها.
(4) الظل: معروف، والعز والمنعة.
(5) نار حراق: لا تبقى شيئا.
(6) أى ولنزولك على إرادتى مطيعا لأمرى ....
(7) أى طلب متقدم، وهو سؤاله إياه أن يتجافى له عن بعض كور خراسان.
(8) الهدنة: المصالحة والدعة والسكون.