ودسّ معاوية رجلا من حمير إلى الكوفة، ورجلا من بنى القين إلى البصرة، يكتبان إليه بالأخبار فدلّ على الحميرىّ وعلى القينىّ فأخذا وقتلا، وكتب الحسن عليه السلام إلى معاوية:
«أما بعد: فإنك دسست إلىّ الرجال، كأنك تحبّ اللّقاء، لا أشك في ذلك، فتوقّعه إن شاء الله، وبلغنى أنك شمتّ بما لم يشمت به ذوو الحجى [1] ، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأول:
فإنّا ومن قد مات منّا لكالّذى ... يروح فيمسى في المبيت ليغتدى
فقل للذى يبغى خلاف الذى مضى ... تجهّز لأخرى مثلها فكأن قد
(شرح ابن أبى الحديد م 4: ص 11)
فأجابه معاوية:
أما بعد: فقد وصل كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، ولقد علمت بما حدث فلم أفرح ولم أحزن، ولم أشمت ولم آس [2] ، وإن عليّا أباك لكما قال أعشى بنى قيس بن ثعلبة:
فأنت الجواد وأنت الذى ... إذا ما القلوب ملأن الصدورا
جدير بطعنة يوم اللّقا ... يضرّب منها النساء النّحورا
وما مزبد من خليج البحا ... ر يعلو الإكام ويعلو الجسورا [3]
بأجود منه بما عنده ... فيعطى الألوف ويعطى البدورا [4]
(شرح ابن أبى الحديد م 4: ص 11)
(1) أى شمت بموت أبى، والعاقل لا يشمت بالموت
(2) أى ولم أحزن وفعله كفرح.
(3) أزبد البحر إزبادا فهو مزبد أى مائج يقذف بالزبد (بالتحريك) وهو كالرغوة. والإكام جمع أكمة كقصبة: وهى التل
(4) البدرة كوردة: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار وجمعه بدر كعنب وبدور كجنود.