وكتب لآخر:
«أما بعد، فالسلام على عهدك، وداع ذى ودّ ضنين بك، في غير مقلية [1] لك، ولا سلوة عنك، بل استسلام للبلوى في أمرك، وإقرار بالعجز عن استعطافك إلى أوان فيئتك [2] ، أو يجعل الله لنا دولة من رمقك [3] » . (سرح العيون ص 168)
وقال يفضل الزجاج على الذهب في رسالة:
«الزجاج مجلوّ نورىّ، والذهب متاع سائر، والشّراب في الزجاج أحسن منه في كل معدن، ولا يفقد معه وجه النديم، ولا يثقل اليد، ولا يرتفع في السّوم [4] ، واسم الذهب يتطيّر منه، ومن لؤمه سرعته إلى اللئام، وهو فاتن فاتك [5] لمن صانه، وهو أيضا من مصايد إبليس، ولذلك قالوا: أهلك الرجال الأحمران [6] ، والزجاج لا يحمل الوضر [7] ، ولا يداخله الغمر، ومتى غسل بالماء وحده عاد جديدا، وهو
(1) قلاه كرماه ورضيه قلى بالكسر وقلاء بالفتح ومقلية: أبغضه وكرهه غاية الكراهة فتركه.
(2) الفيئة بالفتح والكسر: الرجوع.
(3) رمقه كنصر: نظر إليه ولحظه.
(4) السوم في المبايعة: المساومة.
(5) أى غالب، من الفنك، وهو الغلبة.
(6) جاء في اللسان «أهلك النساء الأحمران: يعنون الذهب والزعفران: أى أهلكن حب الحلى والطيب، وأهلك الرجال الأحمران: اللحم والخمر» . وأقول: والمناسب للمقام هنا أن يكون المراد بالأحمرين: الذهب والخمر، أو الذهب والفضة على أن التثنية من باب التغليب.
(7) الوضر: وسخ الدسم واللبن، أو غسالة السقاء والقصعة ونحوهما، والمراد الوسخ مطلقا، والغمر: زنخ اللحم وما يتعلق باليد من دسمه.