وكان هشام يعيب الوليد ويتنقّصه وكثر عبثه به وبأصحابه وتقصيره به، فلما رأى ذلك الوليد خرج، وخرج معه ناس من خاصّته ومواليه، فنزل بالأزرق [1] ، وخلّف كاتبه عياض بن مسلم بالرّصافة [2] ، فقال له: اكتب إلىّ ما يحدث قبلكم، وأخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى، فشربوا يوما، فلما أخذ فيهم الشراب، قال الوليد لعبد الصمد: يا أبا وهب قل أبياتا، فقال أبياتا منها:
لعلّ الوليد دنا ملكه ... فأمسى إليه قد استجمعا [3]
وكنا نؤمّل في ملكه ... كتأميل ذى الجدب أن يمرعا [4]
عقدنا له محكمات الأمو ... ر طوعا فكان لها موضعا
وروى الشعر فبلغ هشاما، فقطع عن الوليد ما كان يحرى عليه، وكتب إلى الوليد:
«بلغنى عنك أنك اتخذت عبد الصّمد خدنا [5] ومحدّثا ونديما، وقد حقّق ذلك عندى ما بلغنى عنك، ولم أبرّئك من سوء، فأخرج عبد الصمد مذموما مدحورا [6] » .
فأخرجه الوليد، وكتب إلى هشام يعلمه بإخراجه، واعتذر إليه مما بلغه من منادمته، وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه- وكان ابن سهيل من أهل اليمن، وقد ولى دمشق غير مرّة، وكان من خاصّة الوليد- فضرب هشام ابن سهيل وسيّره،
(1) الأزرق: ماء في طريق حاج الشأم دون تيماء وتيماء بالفتح: بليد في أطراف الشام بين الشام ووادى القرى، على طريق حاج الشأم ودمشق.
(2) انظر ص 365.
(3) يقال: اجتمع وجامع وتجمع واستجمع.
(4) أى أن يصيب مكانا مريعا، والمريع كخصيب وزنا ومعنى.
(5) الخدن والخدين: الصاحب.
(6) الدحر: الطرد والإبعاد.