فهرس الكتاب

الصفحة 1484 من 2027

ولولا أن السلامة أكثر لما حملنا خزائننا في البحر، قال ابن سيرين: تحسبها خرقاء وهى صناع [1] .

وعبتمونى بأن قلت لكم عند إشفاقى عليكم: إن للغنى لسكرا، وإن للمال لنزوة [2] ، فمن لم يحفظ الغنى من سكر الغنى فقد أضاعه، ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر فقد أهمله، فعبتمونى بذلك، وقد قال زيد بن جبلة: ليس أحد أقصر عقلا من غنىّ أمن الفقر، وسكر الغنى أشدّ من سكر الخمر، وقلتم: قد لزم الحثّ على الحقوق، والتزهيد في الفضول، حتى صار يستعمل ذلك في أشعاره بعد رسائله، وفى خطبه بعد سائر كلامه، وقد قال الشاعر في يحيى بن خالد بن برمك:

عدوّ تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما [3]

وقال في محمد بن زياد:

وخليقتان: تقى وفضل تحرّم ... وإهانة في حقّه للمال

وعبتمونى حين زعمت أنى أقدّم المال على العلم، لأن المال به يفاد العلم [4] ، وبه تقوم النفوس قبل أن تعرف فضل العلم، فهو أصل، والأصل أحقّ بالتفضيل من الفرع، وأنى قلت: إن كنا نستبين الأمور بالنفوس، فإنا بالكفاية نستبين، وبالخلّة نعمى [5] ، وقلتم كيف تقول هذا؟ وقد قيل لرئيس الحكماء، ومقدّم الأدباء: العلماء أفضل أم الأغنياء؟ قال: بل العلماء، قيل: فما بال العلماء يأتون باب الأغنياء أكثر مما يأتى الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: لمعرفة العلماء بفضل الغنى، ولجهل

(1) خرقاء: وصف من الخرق بالتحريك، وهو أن لا يحسن المرء العمل والتصرف في الأمور، وامرأة صناع حاذقة بالعمل ماهرة ويقال أيضا امرأة صناع اليدين: أى حاذقة ماهرة بعمل اليدين، وهو مثل يضرب لمن تظن به الغفلة وهو فظن يقظ.

(2) النزوة: الوثبة والثورة.

(3) وفى العقد «وهو تلاد المال ... » والتلاد: المال القديم الذى ولد عندك.

(4) وفى البخلاء «به يغاث العالم» .

(5) الخلة: الفقر، ونعمى: فضل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت