حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 1، ص: 115
أنّه عليه الصلاة والسّلام قال: «من قرأ حرفا من كتاب اللّه فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف» . فالمراد به غير المعنى الذي اصطلح عليه، فإنّ تخصيص الحرف به عرف مجدّد بل المعنى اللّغويّ ولعله سمّاه باسم مدلوله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التي ركبت منها الكلم وإلى جوابه تقرير السؤال أن ما ذكرته من صدق حد الاسم واعتوار خواصه على الألفاظ المذكورة وإن دل على اسميتها لكن عندي ما يدل على حرفيتها، وهو أنه عليه الصلاة والسّلام قد حكم عليها بالحرفية حيث قال: «ألف حرف ولام حرف وميم حرف» فاذكرت من الدليل القائم على اسميتها معارض بهذا الدليل. وتقرير الجواب أن الحديث المذكور إنما يكون معارضا لما ذكرنا من دليل اسمية الألفاظ المذكورة لو كان الحرف بالمعنى المصطلح عليه عند النحاة وهو كلمة لا تدل على معنى في نفسها وهذا القسم من الكلمة هو المسمى بحروف المعاني كالحروف العاطفة والجارة والمشبهة بالفعل وغيرها، فإنه لو كان المراد بالحرف المذكور في لفظ الحديث الحرف بهذا المعنى لكان الحديث معارضا لدليل اسمية الألفاظ المذكورة لكن ليس المراد بالحرف المذكور فيه الحرف بالمعنى المصطلح عليه عند النحاة، فإن تخصيص الحرف بالمعنى المصطلح عليه عرف متجدد تعارف عليه علماء النحو وحدث بعد عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فوجب أن لا يكون مراده عليه الصلاة والسّلام بالحرف ذلك المعنى المصطلح عليه بل يكون مراده عليه الصلاة والسّلام به الحرف بالمعنى اللغوي وهو الطرف، والحرف بمعنى الطرف يتناول جميع حروف المباني ويتناول أيضا جميع أقسام الكلمة لخروج أصواتها عن أطراف اللسان فكون الألفاظ المذكورة حروفا بالمعنى اللغوي لا ينافي اسميتها فلم يكن الحديث معارضا لما قلنا من اسميتها.
قوله: (ولعله سماه باسم مدلوله) وجه ثان لدفع تعارض الدليلين دفعه أولا بحمل الحرف على معناه اللغوي ثم قال: «ولعله سماه» أي سمى كل واحد من لفظ ألف ولام وميم باسم مدلوله ومسماه حيث أطلق عليه أنه حرف مع القطع بأن شيئا من الألفاظ المذكورة ليس حرفا بمعنى ما يتركب منه الكلم، فإطلاق الحروف على الألفاظ المذكورة من قبيل توصيف الشيء بوصف ما يتعلق به إسنادا مجازيا. واعلم أن هناك طريقا آخر لدفع المعارضة أسهل مما ذكره المصنف وهو أن يقال: الحديث المذكور لا يدل على أن لفظ الألف واللام والميم التي هي عبارة عن مسمياتها حروف حتى يصلح لأن يورد في مقام المعارضة بل الظاهر أن المراد من قوله عليه الصلاة والسّلام: «ألف حرف ولام حرف وميم حرف» الحكم على مسمياتها بالحرفية كما إذا قلت زيد عالم فإنك إنما تريد به الحكم على المسمى بزيد لا على لفظه. ومن المعلوم أن مسميات الألفاظ المذكورة حروف بلا شبهة فبقي دليل اسميتها سالما عن المعارضة لأن كون مدلولات الألفاظ المذكورة حروفا لا ينافي