فهرس الكتاب

الصفحة 1317 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 42

أو اتقاء. والفعل معدى ب «من» لأنه في معنى تحذروا وتخافوا. وقرأ يعقوب تقيّة منع من موالاتهم ظاهرا وباطنا في الأوقات كلها إلا وقت المخافة فإن إظهار الموالاة حينئذ جائز.

كما قال عيسى عليه السّلام: كن وسطا وامش جانبا. وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه ومولاة أعدائه، وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي في القبح وذكر النفس ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه تعالى فلا يؤبه دونه بما يحذّر من الكفرة.

قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ أي أنه يعلم ضمائركم من ولاية الكفار وغيرها إن تخفوها أو تبدوها. وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فيعلم سرّكم وعلنكم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا عما نهيتم عنه. والآية بيان لقوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: 28] فكأنه قال: ويحذركم نفسه لأنها متصفة بعلم ذاتي محيط بالمعلومات كلها وقدرة ذاتية تعم المقدورات بأسرها فلا تجسروا على عصيانه إذ ما من معصية إلا وهو مطلع عليها قادر على العقاب بها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منصوبة على أنها مفعول به وذلك على أن يكون «تتقوا» بمعنى تخافوا وأن يكون تقاة مصدرا واقعا موقع المفعول به حيث وضع قوله: «ما يجب اتقاؤه» موضع «تقاة» ووضع قوله: «من جهتهم» موضع «منهم» إشارة إلى أن «من» ابتدائية متعلقة بالفعل قبلها. ويحتمل أن يكون منهم حالا من «تقاة» قدمت عليها والمعنى: لا تفعلوا ذلك إلا لأجل تخوفكم أمرا يجب الاحتراز عنه كائنا من جهتهم بأن يغلب الكفار أو بأن يكون المؤمن بينهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان. وهذا رخصة من اللّه تعالى حتى لو ثبت على الحق ظاهرا وباطنا وقتل كان أجره عظيما. قوله: (أو اتقاء) إشارة إلى أن «تقاة» منصوبة على أنها مفعول مطلق واقعة موقع الاتقاء. والعرب تضع بعض المصادر موضع بعض كما في قوله تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل: 8] وضع موضع تبتلا وقوله: وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا [آل عمران: 37] ويحتمل أن يكون «تقاة» مصدر «اتقى» على الندرة والشذوذ. قال في الصحاح: اتقى تقية وتقاة مثل الحم لحمة، ومجيء المصدر على فعل أو فعلة قليل نحو: التهمة والتخمة والتؤدة. قوله: (عليه الصلاة والسّلام كن وسطا وامش جانبا) أي كن فيما بين الناس ظاهرا وامش جانبا من موافقتهم فيما يأتون ويذرون. وقيل: معناه لا تجانب معاشرتهم ولكن جانب الخوض في أمورهم. وقيل: ليكن جسدك مع الناس وقلبك مع اللّه عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت