فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 134
يكفر ويذكر فلا ينسى. وقيل: أن ينزّه بالطاعة عن الالتفات إليها وعن توقع المجازاة عليها. وفي هذا الأمر تأكيد للنهي عن طاعة أهل الكتاب. وأصل تقاة وقية فقلبت واوها المضمومة تاء كما في تؤدة وتخمة والياء ألفا. وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) ولا تكوننّ على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت. فإن النهي عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجّه بالذات نحو الفعل تارة والقيد أخرى وقد يتوجّه نحو المجموع دونهما وكذلك النفي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينسى، ولا طاقة للعباد بذلك. فنزلت: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] فنسخ أول هذه الآية ونسخ آخرها وهو قوله: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102] وقال جمهور المحققين: القول بهذا النسخ باطل لأنه لا يحتمل أن يأمر اللّه عباده بشيء ليس في وسعهم فيقال: إنه كان منسوخا بالأمر بقدر الطاقة والوسع. ولكن الأصل في هذا عندنا ما روي عن معاذ أنه عليه الصلاة والسّلام قال له: «هل تدري ما حق اللّه على العباد وما حق العباد على اللّه» ؟ قال: اللّه ورسوله أعلم. قال: «حق اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على اللّه أن يدخلهم الجنة إذا عبدوه ولم يشركوا به أحدا» أو كما قال فيكون هذا الحديث تأويلا للآية أي اتقوا اللّه فلا تكفروه فيكون محصول الآية الأمر بالإيمان والنهي عن الكفر، وهذا لا يجوز أن ينسخ. وما يقال من أنهم لما قالوا: من يقوى على أن يتق اللّه حق التقوى نزل فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] ليس فيه أن الأول كان أمرا بما ليس في الوسع ثم نزل التخفيف بل فيه بيان أن ذلك الأمر كان مما هو في الوسع، وإليه أشار المصنف بقوله: «وهو استفراغ الوسع» إلى قوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ. قوله:
(كما في تؤدة) شبه التقاة بالتؤدة من وجهين: الأول في كونهما مصدرين والثاني أن التاء فيهما بدل من الواو. فإن أصل تؤدة وؤدة قلبت الواو المضمومة تاء كما في تراث وتجاه.
قال الجوهري: مشى مشيا وئيدا وعلى تؤدة أي ونى في مشيه واتأد وتوأد في مشيه، وهي افتعل وتفعل من الوأد وأصل التاء في اتأدوا ويقال: اتئد في أمرك أي تثبت. قوله: (ولا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت) إشارة إلى أن الاستثناء مفرغ والمستثنى منه أعم الأحوال أي لا تموتن على حال من الأحوال إلا على هذه الحالة، فهو نهي عن موتهم على غير هذه الحالة. والمراد دوامهم على الإسلام. ولما كان الثبات على الإسلام ممكنا صار الموت على الإسلام وعلى غيره بمنزلة ما هو ممكن بالنسبة إليهم، فنهى عن الموت على غير الإسلام والمراد الأمر بالثبات على الإسلام، وذلك لأن الموت لا بد منه فإذا داموا على الإسلام يموتون عليه. وقريب منه ما حكي عن سيبويه رحمه اللّه: لا أرينك ههنا أي لا نكن بالحضرة فتقع عليك رؤيتي. وأدخل أداة النهي على فعل الكون وأخر