فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 352
أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من العقاب. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم أو عن قبول معذرتهم. وَعِظْهُمْ بلسانك وكفّهم عمّا هم عليه. وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أي في معنى أنفسهم أو خاليا بهم فإن النصح في السر أنجع.
قَوْلًا بَلِيغًا (63) يبلغ منهم ويؤثر فيهم أمره بالتجافي عن ذنوبهم والنصح لهم والمبالغة فيه بالترغيب والترهيب وذلك مقتضى شفقة الأنبياء عليهم السّلام. وتعليق الظرف «ببليغا» على معنى بليغا في أنفسهم مؤثرا فيها ضعيف، لأن معمول الصفة لا يتقدم على الموصوف والقول البليغ في الأصل هو الذي يطابق مدلوله المقصود به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأشياء إلا أن يحسن إلى صاحبنا بالحكم والعدل والتوفيق بينه وبين خصمه. قوله: (أو عن قبول معذرتهم) فإن من لا يقبل عذر غيره ويستمر على سخطه قد يوصف بأنه معرض عنه غير ملتفت إليه. قوله: (وكفهم عمّا هم عليه) أي ازجرهم عن النفاق والمكر والكذب وخوفهم بعقاب اللّه تعالى في الآخرة. قوله: (أي في معنى أنفسهم) أي في شأن أنفسهم وفي حقها أو خاليا بهم ليس معهم غيرهم. وعلى التقديرين يكون قوله: فِي أَنْفُسِهِمْ متعلقا بقوله: قُلْ لَهُمْ. قوله: (يبلغ منهم) على أن بليغا من البلوغ والوصول. والقول إنما يبلغ إليهم ويؤثر فيهم بأن يكون مخوفا لهم من عقاب اللّه تعالى مثل أن يقال لهم: إن ما في قلوبكم من النفاق والكيد معلوم للّه تعالى، ولا فرق بينكم وبين الكفار المجاهرين في الاستمرار على الكفر وإنما رفع عنكم السيف لأنكم أظهرتم الإيمان، فطهروا أنفسكم من هذه الخصائل القبيحة وانقادوا للّه تعالى ظاهرا وباطنا وأطيعوه في جميع ما كلفكم به قلبا وقالبا. وإلا فكيف تأمنون من أن ينزل اللّه بكم ما أنزله في حق من جاهر بالكفر من القتل بالسيف وسبي الأموال والأولاد؟ قوله: (وتعليق الظرف) أي الجار والمجرور وهو قوله:
فِي أَنْفُسِهِمْ بقوله: بَلِيغًا على معنى: قل لهم قولا مؤثرا في قلوبهم يغتمون منه اغتماما ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن ظهر منهم النفاق وبدت طلائعه. ووجه ضعف هذا الاحتمال أن فيه تقديم معمول الصفة على الموصوف وأنه لا يجوز عند البصريين فلا يجوز أن يقال: جاء زيدا رجل يضرب لأنه لا يتقدم المعمول إلا حيث يجوز تقديم معمول الصفة والعامل ههنا لا يجوز تقديمه لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف. والكوفيون يجيزون تقديم معمول الصفة على الموصوف. وقول البصريين أنه لا يتقدم المعمول إلا حيث يتقدم العامل فيه بحث، لأنّا وجدنا هذه القاعدة منخرمة في قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: 9، 10] فاليتيم معمول «لتقهر» و «السائل» معمول «لتنهر» وقد تقدما على «لا» الناهية والعامل فيهما لا يجوز