فهرس الكتاب

الصفحة 1642 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 365

أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ استزادة في مدّة الكف عن القتال حذرا عن الموت. ويحتمل أنهم ما تفوّهوا به ولكن قالوه في أنفسهم فحكى اللّه عنهم قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ سريع التقضّي وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) ولا تنقصون أدنى شيء من ثوابكم فلا ترغبوا عنه أو من آجالكم المقدرة. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «ولا يظلمون» لتقدم الغيبة.

أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ قرئ بالرفع على حذف الفاء. كما في قوله:

من يفعل الحسنات اللّه يشكرها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

توصيف خشيتهم بالشدة لأنه إذا كان خشية خشيتهم أشد تكون خشيتهم أشد بطريق الأولى.

قوله: (استزادة في مدة الكف) يعني أن قولهم هذا ليس اعتراضا على اللّه وكراهة لأمر اللّه بالقتال لأنه لا يليق بالمؤمن بل لكون البشر مجبولا على حب الحياة والخوف والفزع من الممات. قيل: إنه سؤال طلب حكمة وليس اعتراضا ومعارضة بدليل أنهم لم يوبخوا على هذا السؤال بل أجيبوا على لسان نبيهم عليه الصلاة والسّلام بأن التمتع بالحياة في الدنيا قليل سينقضي عن قريب بخلاف الحياة في العقبى فإن حياة الشهداء أبدية يرزقون بنعيم الجنة فيها أبدا فلا تؤثروا الفاني على الباقي. روي عنه عليه الصلاة والسّلام أنه قال: «واللّه ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» مع أن نعم الدنيا مشوبة بالهوى والمكاره ونعم الآخرة صافية من الكدورات. ثم قال: وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم قدر فتيل النواة وهو الخيط الرقيق الذي يكون في شق نواة التمر.

وقد يقال: المراد ههنا ما يفتل بين الأصبعين من الوسخ ثم يلقى لحقارته. قوله: (قرئ بالرفع) يعني أن الجمهور على جزم «يدرك» لأنه جواب الشرط فإن «أين» اسم شرط يجزم فعلين و «ما» زائدة على سبيل الجواز للتأكيد فيلزم أن يكون كل واحد من «تَكُونُوا» و «يُدْرِكْكُمُ» مجزوما على الشرط وجوابه. والمعنى: أينما تكونوا من الأمكنة يدرككم الموت أي لا خلاص لكم من الموت. فالموت على الوجه الذي يستعقب السعادة الأبدية أولى من الموت الذي لا يكون على هذا الوجه. والمقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم يخشون الناس أشد خشية ويقولون: لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ وقرئ «يدرككم» بالرفع بناء على أنه ليس بجواب لأن الشرط والجزاء إذا كانا مضارعين فهما مجزومان لا غير فلما رفع قيل في توجيهه: إنه حذف الفاء منه على أنه جملة اسمية محذوفة المبتدأ فيكون مثل قول القائل: اللّه يشكرها في حذف الفاء من الجملة الاسمية وآخر البيت:

والشر بالشر عند اللّه سيان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت