فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 379
البدو لاجتواء المدينة فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فاختلف المسلمون في إسلامهم. وقيل: نزلت في المتخلفين يوم أحد أو في قوم هاجروا ثم رجعوا معتلّين باجتواء المدينة والاشتياق إلى الوطن، أو قوم أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة. وفئتين حال عاملها «لكم» كقولك: ما لك قائما. وفي المنافقين حال من «فئتين» أي متفرقين فيهم أو من الضمير أي فما لكم متفرقين فيهم.
ومعنى الافتراق مستفاد من فئتين. وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا ردّهم إلى حكم الكفرة أو نكسهم بأن صيّرهم للنار. وأصل الركس ردّ الشيء مقلوبا. أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أن تجعلوه من المهتدين وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) إلى الهدى.
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا تمنوا أن تكفروا ككفرهم فَتَكُونُونَ سَواءً فتكونون معهم سواء في الضلال وهو عطف على «تكفرون» جواب التمني لجاز فَلا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاستقرار الذي تعلق به «لكم» و «في المنافقين» متعلق بمعنى «فئتين» فإنه في قوة قولك:
تفترقون في أمر المنافقين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والمعنى أي شيء كائن لكم أو مستقر لكم تفرقتم في أمر المنافقين فرقتين أو ما لكم مختلفين في أمرهم.
قوله: (لاجتواء المدينة) أي لكراهة هوائها يقال: اجتويت البلد أي كرهت الإقامة به لعدم كون هوائه موافقا لي. وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ جملة اسمية منصوبة المحل على أنها حال من «المنافقين» أي والحال أنه تعالى ردهم إلى الكفر وأحكامه من الذل والصغار والسبي والقتل. والإركاس الرد والرجع، ومنه الركس للرجيع قال عليه الصلاة والسّلام في الروثة لما أتي بها للاستنجاء «إنها ركس» قال أمية بن أبي الصلت: فأركسوا في جحيم النار، لأنهم كانوا عصاة. وقالوا: الإفك والزور أي ردوا. يقال: ركست الشيء وأركسته لغتان إذا رددته وقلبت آخره على أوله. وقال الزجاج: تأويل أركسهم نكسهم وردهم إلى حكم الكفار بما كسبوا أي بما أظهروا من الارتداد. وقال الراغب: الركس والنكس قلب الشيء على رأسه أورد أوله على آخره والمركوس المنكوس. قوله: (تمنوا أن تكفروا ككفرهم) إشارة إلى أن «لو» في الآية مصدرية كلفظ «ما» في قوله: كَما كَفَرُوا فتكون «لو» وما بعدها في تأويل المصدر المنصوب على أنه مفعول «ودوا» فلا جواب. والتقدير: ودوا كفركم الكائن مثل كفرهم. وقوله تعالى: سَواءً خبر «تكونون» ولم يجمع لأنه في الأصل مصدر واقع موقع اسم الفاعل بمعنى مستوين وقوله: فَتَكُونُونَ سَواءً عطف على تَكْفُرُونَ والتقدير:
ودوا كفركم وكونكم مستوين معهم في الضلال. قوله: (ولو نصب على جواب التمني لجاز)