فهرس الكتاب

الصفحة 1671 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 394

و «توفاهم» على المضارع من وفيت بمعنى أن اللّه يوفّي الملائكة أنفسهم فيتوفونها أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ في حال ظلمهم أنفسهم بترك الهجرة وموافقة الكفرة. فإنها نزلت في ناس من مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة واجبة. قالُوا أي الملائكة توبيخا لهم. فِيمَ كُنْتُمْ أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم. قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ اعتذروا مما وبخوا به بضعفهم وعجزهم عن الهجرة أو عن إظهار الدين وإعلاء كلمته. قالُوا أي الملائكة تكذيبا لهم أو تبكيتا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها إلى قطر آخر كما فعل المهاجرون إلى المدينة والحبشة. فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ لتركهم الواجب ومساعدتهم الكفار وهو خبر «إن» والفاء فيه لتضمن الاسم معنى الشرط وقالوا: فيم كنتم حال من الملائكة بإضمار «قد» أو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كونه فعلا ماضيا قراءة «توفتهم» بتاء التأنيث فيكون إخبارا عن أحوال قوم معينين انقرضوا ومضوا. ويحتمل أن يكون مضارعا حذفت إحدى التاءين منه والأصل «تتوفاهم» وعلى هذا تكون الآية عامة في حق كل من كان بهذه الصفة. والظاهر أن لفظ المضارع ههنا على حكاية الحال الماضية وقصد الاستحضار بشهادة كون خبر إن فعلا ماضيا وهو «قالوا» والعائد من جملة الخبر إلى الاسم محذوف أي قالوا لهم، فقوله: ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بمعنى الحال والإضافة لفظية فصح وقوعه حالا معمولا للمضارع الوارد على حكاية الحال.

قال جمهور المفسرين: المراد بتوفي الملائكة إياهم قبض أرواحهم عند الموت والملك الذي فوض إليه هذا العمل هو ملك الموت وله أعوان من الملائكة. وإسناد التوفي إلى اللّه تعالى في قوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ [الزمر: 42] وفي قوله: هو الذي يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [الجاثية: 26] مبني على أن خالق الموت هو اللّه تعالى. وضمير «أنفسهم» في قوله: «أن اللّه يوفي الملائكة أنفسهم» راجع إلى «الذين» والمرفوع في «فيتوفونها» راجع إلى «الملائكة» والمنصوب إلى «أنفسهم» . وكانوا ظالمي أنفسهم بإقامتهم في دار الشرك وترك الهجرة عنها حين كانت الهجرة واجبة، فإنه تعالى لم يكن يقبل السّلام بإقامتهم بعد هجرة النبي عليه الصلاة والسّلام إلى المدينة إلا بالهجرة إليها ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة لقوله عليه الصلاة والسّلام: «لا هجرة بعد الفتح» قال تعالى فيمن آمن وترك الهجرة وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الأنفال: 72] روي أن هؤلاء الذين تركوا الهجرة قعدوا بمكة إلى وقعة بدر فأخرجهم المشركون في تلك الوقعة مع أنفسهم ليقاتلوا المسلمين إما لأنهم لم يعلموا بإسلامهم أو علموا فأكرهوهم على موافقتهم. فلما خرجوا معهم ورأوا شوكة الكفار وضعف المسلمين ارتابوا فقالوا: غر هؤلاء دينهم فارتدوا وقاتلوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت