فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 507
اذهب أنت وربك يعينك.
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي قاله شكوى بثّه وحزنه إلى اللّه تعالى لما خالفه قومه وأيس منهم ولم يبق معه موافق يثق به غير هارون عليه السّلام. والرجلان المذكوران وإن كانا يوافقانه لم يثق بهما لما كابد من تلوّن قومه.
ويجوز أن يراد «بأخي» من يواخيني في الدين فيدخلان فيه. ويحتمل نصبه عطفا على «نفسي» أو على اسم «إن» ورفعه عطفا على الضمير في «لا أملك» أو على محل «إن» واسمها. وجرّه عند الكوفيين عطفا على الضمير في «نفسي» . فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (25) بأن تحكم لنا بما نستحقه وتحكم عليهم بما يستحقون أو بالتبعيد بيننا وبينهم وتخليصنا من صحبتهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت الاستهانة باللّه تعالى ورسوله جهالة عظيمة أيضا، قيل: تقدير الكلام: اذهب أنت وربك يعينك، على أن يكون لفظ «ربك» مبتدأ حذف خبره، والواو للحال من فاعل «اذهب» إلا أن المصنف لم يرض به لكونه تعسفا يأبى عنه نظم الكلام. قوله: (قاله شكوى بثّه) أي قال شكاية من حاله إلى اللّه تعالى، والشكوى: مصدر قولك شكوت فلانا إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك، والبثّ وإن استعمل بمعنى النشر والإظهار إلا أنه ههنا بمعنى الحال، قال الجوهري: البثّ الحال والحزن، يقال: أبثثتك أي أظهرت لك بثي عن الكلبي أنه قال: لما قالوا «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون» غضب موسى عليه السّلام وكان رجلا حديدا، فقال: إني لا أملك إلا نفسي وأخي؛ أي لا أملك إلا طاعتهما ولم يطعني إلا إياهما. ولما ورد أن يقال: كيف يصح هذا الحصر مع أن الرجلين المذكورين أطاعاه ولم يظهر منهما مخالفة أمره؟ أجاب عنه بقوله: «والرجلان المذكوران» إلى آخره، كأنه قال: لا أثق بطاعة أحد غير نفسي وأخي. قوله: (ويحتمل نصبه) ذكر في إعراب «أخي» ثلاثة أوجه:
النصب والرفع والجر؛ أما النصب فعلى وجهين، الأول: العطف على «نفسي» أي لا أملك إلا نفسي وإلا أخي، والثاني: العطف على اسم «إن» ويكون خبره محذوفا لدلالة خبر المعطوف عليه على خبره، أي: وإن أخي لا يملك إلا نفسه. وأما الرفع فعلى وجهين أيضا، الأول: عطفه على الضمير المستكن في «لا أملك» والتقدير: ولا يملك أخي إلا نفسه؛ وجاز ذلك للفصل بقوله: «إلا نفسي» . والثاني: عطفه على محل «إن» مع اسمها، فإن «إن» المكسورة لما لم تغير معنى الجملة كان اسمها المنصوب في محل الرفع على الابتداء؛ لأن فائدة المكسورة ليست إلا للتأكيد فكانت بالنسبة إلى أصل المعنى في حكم المعدوم، فجاز العطف على محل اسمها بالرفع كقول الشاعر:
ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيّار بها لغريب