فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 242
أي شيء من الضلال بالغ في النفي كما بالغوا في الإثبات وعرّض لهم به.
وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (61) استدراك باعتبار ما يلزمه وهو كونه على هدى كأنه قال: ولكني على هدى في الغاية لأني رسول من اللّه أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (62) صفات لرسول أو استئناف، ومساقها على الوجهين لبيان كونه رسولا. وقرأ أبو عمرو «أبلغكم» بالتخفيف وجمع الرسالات لاختلاف أوقاتها أو لتنوع معانيها كالعقائد والمواعظ والأحكام، أو لأن المراد بها ما أوحي إليه وإلى الأنبياء قبله كصحف شيث وإدريس وزيادة اللام في «لَكُمْ» للدلالة على إمحاض النصح لهم وفي «أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ» تقرير لما أوعدهم به فإن معناه أعلم من قدرته وشدة بطشه أو من جهته بالوحي أشياء لا علم لكم بها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحسن. قوله: (بالغ في النفي) يعني أن المناسب لقولهم: لَنَراكَ فِي ضَلالٍ أن يقال ليس في ضلال إلا أنه عليه الصلاة والسّلام أجابهم بقوله: لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ مبالغة في نفي الضلال عنه لأنه نفى أن يلتبس به ضلالة واحدة فضلا عن أن يحيط به الضلال فلو قال:
ليست ضالا لم يؤد هذا المعنى.
قوله: (كما بالغوا في الإثبات) حيث قالوا: لَنَراكَ فِي ضَلالٍ بتنكير الضلال للتعظيم ووصفوه بقوله: مُبِينٍ. قوله: (استدراك باعتبار ما يلزمه) أي ما يلزم النفي البالغ للضلال وهو كونه على هدى في الغاية. وحق الاستدراك أن يتوسط بين كلامين متنافيين فلما نفى عن نفسه العيب الذي وصفوه به وصف نفسه بأشرف الصفات الممكنة في حق البشر وهو كونه رسولا من رب العالمين. ثم ذكر ما هو المقصود من الرسالة وهو أمر أن تبليغ الرسالة وتقرير النصيحة فقال: أُبَلِّغُكُمْ وكان الظاهر أن يقال: يبلغكم وينصح لكم ويعلم إلا أنه روعي الضمير السابق الذي للمتكلم فقال: أُبَلِّغُكُمْ والاستعمالات جائزان في كل اسم ظاهر سبقه ضمير متكلم أو مخاطب أن شئت تراعي الضمير السابق وهو الأكثر، وإن شئت تراعي الاسم الظاهر فتقول: أنا رجل أفعل كذا ورجل يفعل كذا. قوله: (وقرأ أبو عمرو أبلغكم) بنقل «بلغ» إلى باب الأفعال للتعدية وجمع رسالة. والحال أن له رسالة واحدة باعتبار أنواعها من الأمر والنهي والوعظ والإنذار والقصص أو لتعددها بحسب اختلاف أوقاتها، أو لإرادة رسالته ورسالة من قبله من أجداده من صحف جده إدريس وهي ثلاثون صحيفة، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة. والفرق بين تبليغ الرسالة وتقرير النصيحة أن تبليغ الرسالة معناه أن يعرفهم أنواع تكاليف اللّه تعالى وأوامره ونواهيه، وأما النصيحة فهو ترغيبهم في الطاعة وتحذيرهم من المعاصي. وحقيقة النصح الإرشاد إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه. وقال الفراء: العرب لا تكاد تقول: نصحتك وإنما تقول: