فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 259
وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ بكل طريق من طرق الدين كالشيطان وصراط الحق، وإن كان واحدا لكنه يتشعّب إلى معارف وحدود وأحكام. وكانوا إذا رأوا واحدا يسعى في شيء منها منعوه. وقيل: كانوا يجلسون على المراصد فيقولون لمن يريد شعيبا إنه كذاب فلا يفتننّك عن دينك، ويوعدون من آمن به. وقيل: كانوا يقطعون الطريق. وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني الذي قعدوا عليه فوضع الظاهر موضع المضمر بيانا لكل صراط ودلالة على عظم ما يصدون عنه وتقبيحا لما كانوا عليه، أو الإيمان باللّه. مَنْ آمَنَ بِهِ أي باللّه أو بكل صراط على الأول و «مَنْ» مفعول «تَصُدُّونَ» على إعمال الأقرب ولو كان مفعول «تُوعِدُونَ» لقال: وتصدونهم. و «تُوعِدُونَ» بما عطف عليه في موقع الحال من الضمير في «تَقْعُدُوا» . وَتَبْغُونَها عِوَجًا وتطلبون لسبيل اللّه عوجا بإلقاء الشبه أو وصفها للناس بأنها معوجة. وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا عددكم أو عددكم فَكَثَّرَكُمْ بالبركة في النسل أو المال وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) من الأمم قبلكم واعتبروا بهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخيرية حينئذ بمعنى الزيادة مطلقا لأن القوم كفرة ولم يفرض إيمانهم ليستحقوا ثواب الآخرة. والأحدوثة ما يتحدث به وحسن الأحدوثة عبارة عن الذكر الجميل في الدنيا فإن قلت الخيرية فيما ذكر من الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال تتوقف حينئذ على تصديقهم الناصح في قوله: «وهم ليسوا كذلك» . أجيب بأن قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ليس شرطا للخيرية بل لفعلهم ما ذكر من الأمور كأنه قيل: فأتوا به إن كنتم مصدقين.
قوله: (بكل طريق) الباء فيه للإلصاق لأن القعود ملصق بالمكان وفعل القعود كما يتعدى بباء الإلصاق يتعدى أيضا بكلمة «على» وبكلمة «في» فيقال: قعد على مكان كذا وفي مكان كذا لاستعلاء القاعد على ذلك المكان وحلوله فيه. وقوله: «تُوعِدُونَ» و «تَصُدُّونَ» و «تبغون» أحوال أي لا تقعدوا موعدين وصادين وباغين، ولم يذكر الموعود به لتذهب النفس كل مذهب. قوله: (أو بكل صراط على الأول) يعني على تقدير أن يراد بقوله: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الصراط الذي قعدوا عليه من طرق الدين يكون ضمير «به» راجعا إلى قوله:
بِكُلِّ صِراطٍ أي تصدون عنه من آمن به على إعمال الفعل الثاني وحدف مفعول الأول وهو مختار البصريين. ولو أعمل الأول لوجب إضمار مفعول الثاني على المختار حتى قال بعضهم: لا يجوز حذفه إلا في ضرورة الشعر ولو أضمر لقيل وتصدونهم، لكن لم ينزل القرآن هكذا فعلم أن «من آمن» ليس مفعول «توعدون» . قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إما أن يكون مفعوله محذوفا فيكون الظرف المذكور بعده معمولا لذلك المفعول أي اذكروا نعمة اللّه عليكم في ذلك الوقت، وإما أن يجعل نفس الظرف مفعولا به. والأول هو الأوفق لقول