فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 696
المهلكين بها. ذلِكَ إشارة إلى يوم القيامة وعذاب الآخرة دل عليه. يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ أي يجمع له الناس والتغيير للدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه من شأنه لا محالة وأن الناس لا ينفكون عنه فهو أبلغ من قوله يوم يجمعكم ليوم الجمع. ومعنى الجمع له الجمع لما فيه من المحاسبة والمجازاة. وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) أي مشهود فيه أهل السموات والأرضين فاتسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول به كقوله:
في محفل من نواصي الناس مشهود
أي كثير شاهدوه ولو جعل اليوم مشهودا في نفسه لبطل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه فإن سائر الأيام كذلك.
وَما نُؤَخِّرُهُ أي اليوم إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) إلا لانتهاء مدة معدودة متناهية على حذف المضاف وإرادة مدة التأجيل كلها بالأجل لا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقرئ كلاهما فعلين ماضيين. قوله: (أي يجمع له الناس) فسر به ما وقع في نظم القرآن لأن مقتضى الظاهر أن يقال ذلك يوم يجمع له الناس، لأن فعل الجمع الذي وصف به اليوم مترقب بعد لم يتصف اليوم به الفعل ليكون على وفق قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ [التغابن: 9] أي لأجله ولما فيه من الحساب والجزاء. ثم بيّن النكتة في مخالفة مقتضى الظاهر وهي الدلالة على أن اليوم موصوف بذلك الوصف وصفا لازما وأن الناس لا ينفكون عن الجمع البتة. فإن اسم المفعول على ثبات الأمرين ولزومهما بخلاف الفعل.
قوله: (ومعنى الجمع له الجمع لما فيه) ضرورة أن جمع الناس ليس لأجل اليوم نفسه. قوله: (فاتسع فيه بإجراء الظرف) أي بحذف الجار وتعلق الفعل بالظرف على صورة تعليقه بالمفعول به كقوله:
ومشهد قد كفيت الغائبين به ... (في محفل من نواصي الناس مشهود)
نواصي الناس: أشرافهم والمقدمون منهم. يقول: رب مشهد عظيم الشأن تكلمت فيه وكفيت الغائبين بالنطق عنهم واليوم يوم مشهود فيه رؤساء الناس وأماثلهم، يعني كشفت الغمة بقلب ثابت. فمعنى قوله تعالى: يَوْمٌ مَشْهُودٌ يوم يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب فيه عنه أحد فالمشهود هو الموقف، والشاهدون الخلائق، والمشهود فيه اليوم. قوله:
(ولو جعل اليوم مشهودا في نفسه) جواب عما يقال: ما دعاك إلى أن تجعل اليوم مشهودا فيه وأن تجعل المشهود من قبيل ما حذف فيه حرف الجر اتساعا كما في قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: 185] فإن الشهر منتصب ظرفا لا مفعولا به وكذلك الضمير في فَلْيَصُمْهُ فالمعنى فمن شهد منكم في الشهر فليصمه فيه على معنى فمن كان منكم مقيما حاضرا لوطنه في شهر رمضان فليصم فيه، ولو نصبت الشهر على أنه مفعول به