فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 701
بعضهم وهم فساق الموحدين يخرجون منها، وذلك كاف في صحة الاستثناء لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض وهم المراد بالاستثناء الثاني فإنهم مفارقون عن الجنة أيام عقابهم. فإن التأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء كما ينتقض باعتبار الانتهاء وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم. ولا يقال: فعلى هذا لم يكن قوله: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ تقسيما صحيحا لأن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه لأن ذلك الشرط من حيث التقسيم لانفصال حقيقي أو مانع من الجمع. وههنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين وأن حالهم لا يخلو عن السعادة والشقاوة وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص باعتبارين، أو لأن أهل النار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شاء ربك فلا يخلدون فيه على أن «ما» موصولة أو موصوفة. ويحتمل أن يكون المستثنى منه الضمير المستتر في خالِدِينَ فتكون كلمة «ما» عبارة عن «من» على رأي من رأى ذلك.
كأنه قيل: الحق الذي لا محيص عنه أن يحمل «ما» على معنى «من» لإفادة معنى الوصفية وهي المرحومية لتؤذن أن إخراجهم بمحض مشيئته وسبق رحمته لا لاستحقاق منهم فينطبق عليه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [هود: 107] وتحقيقه أن قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها حال مقدرة من ضمير استقرار في الظرف وهو قوله: في النَّارِ وأنت تعلم أن الحال قيد للحكم فإذا انتفى الحكم عن البعض بالاستثناء ينتفي كونه مقيدا. والمعنى: أن الذين شقوا مستقرون في النار مقدرين الخلود إلا المرحوم الذي شاء اللّه أن لا يستقر مخلدا، فيفيد إما أن لا يستقر فيها مطلقا أو يستقر غير مخلد. وأحوال العصاة على هذا النهج كما علم من النصوص الصحيحة. نقل الإمام عن بعض المفسرين أنهم قالوا: هذا الاستثناء يفيد إخراج أهل التوحيد من النار لأن قوله: إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ يوجب أن لا يبقى ذلك الحكم على ذلك المجموع ويكفي في زوال حكم الخلود زواله عن بعضهم، فوجب أن لا يبقى حكم الخلود لبعض الأشقياء. ولما ثبت أن الخلود واجب للكفار وجب أن يقال: إن الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة. وأما قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ [هود: 108] فيفيد أن جملة السعداء محكوم عليهم بهذا الحكم وقوله: إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ أوجب زوال حكم الخلود عن المجموع في الجنة ويكفي في زواله عن الجميع زواله عن البعض وما ذلك البعض إلا الفساق من السعداء. وليس زوال حكم الخلود عنهم بأن يدخلوا الجنة ثم يخرجوا منها إلى النار وأن كل من يدخل الجنة فهو خالد فيه بعد دخوله فيها، بل المراد من زوال حكم الخلود عنهم عدم دخولهم فيها من أول الأمر وهم ما خلدوا فيها تخليد من دخلها أول وهلة، فإن الخلود في مكان كما ينتفي بالانتقال منه انتهاء ينتفي أيضا بأن لا يدخله ابتداء والفساق مفارقون عن الجنة أيام عذابهم. قوله: (أو لأن أهل النار