فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 708
فَلَوْ لا كانَ فهلا كان مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ من الرأي والعقل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مثله، والمجاز كلما كان أقرب إلى الحقيقة كان حمل اللفظ عليه أولى، فثبت أن ظاهر هذه الآية يقوي قول أبي حنيفة رحمه اللّه ورضي عنه في هاتين المسألتين. فظهر بهذا سر قول المصنف «لأن صلاة الصبح أقرب الصلوات من أول النهار» . ثم قال رحمه اللّه: وأما قوله تعالى: وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ فهو يقتضي الأمر بإقامة الصلاة في ثلاث زلف من الليل لأن أقل الجمع ثلاثة، والمغرب والعشاء وقتان، فيجب الحكم بوجوب الوتر حتى تحصل زلف ثلاث يجب إيقاع الصلاة فيها. وإذا ثبت وجوب الوتر في حق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وجب في حق الأمة أيضا لقوله: فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام: 153] ونظير هذه الآية بعينها قوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها [طه: 130] فالذي قبل طلوع الشمس هي صلاة الفجر والذي قبل غروبها هي صلاة العصر. ثم قال: وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ [طه: 130] وهو نظير قوله تعالى: وَزُلَفًا قال سعيد بن جبير رضي اللّه عنه: طرفا النهار الغداة والعشي، الصلاة التي في طرف الغداة صلاة الفجر والتي في طرف العشي الظهر والعصر. وفي الخبر سها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر. ونقل عن الإمام الواحدي رحمه اللّه أنه قال نقلا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى: طَرَفَيِ النَّهارِ يريد الصبح والظهر والعصر، وهو قول مجاهد ومحمد بن كعب رحمهما اللّه. وقال الزجاج رحمه اللّه تعالى: صلاة طرفي النهار الغداة والظهر والعصر. وذهب ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما وعامة أهل التفسير إلى أن تعريف الحسنات للعهد الخارجي والمراد أن الصلوات الخمس تكفرن ما بينهن من الذنوب. وعن مجاهد رحمه اللّه: أن الحسنات هو قول العبد: سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم. قوله: (فهلا كان) إشارة إلى أن كلمة «لو لا» تحضيضية دخلت على الماضي بمعنى التفجع عليهم فكان قريبا من أسلوب قوله تعالى: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ [يس: 30] ومِنَ الْقُرُونِ يجوز أن يتعلق «بكان» لأنها تامة إذ المعنى: فهلا وجد من القرون أو حدث ونحو ذلك. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «أولوا بقية» لأنه لو تأخر عنه جاز أن يكون نعتا له و «من قبلكم» حال من «القرون» و «ينهون» حال من «أولوا بقية» لتخصصه بالإضافة. ويجوز أن يكون نعتا لأولوا بقية وهو أولى. ثم لما بيّن اللّه تعالى أن الأمم المتقدمين حلّ بهم عذاب الاستئصال بيّن أن السبب فيه أمران: الأول أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض، ومعنى الآية: فهلا كان من القرون التي أهلكناهم من قبلكم أولوا بقية. والسبب الثاني في نزول عذاب الاستئصال بهم ما ذكره بقوله تعالى: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ قرأ العامة «بقية» بفتح الباء وكسر القاف وتشديد الياء وفيها