فهرس الكتاب

الصفحة 2803 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 173

ابتداء أو بعد التوفيق للتوبة. وفيه دليل على أن كل ذنب فللّه أن يغفره حتى الشرك إلا أن الوعد فرق بينه وبين غيره.

رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي أي بعض ذريتي أو ذرية من ذريتي فحذف المفعول وهو إسماعيل ومن ولد منه فإن إسكانه متضمن لإسكانهم. بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ يعني وادي مكة فإنها حجرية لا تنبت عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ الذي حرمت التعرض له والتهاون به أو لم يزل معظما ممنعا تهابه الجبابرة. أو منع منه الطوفان فلم يستول عليه ولذلك سمي عتيقا أي أعتق منه. ودعا بهذا الدعاء أول ما قدم فلعله قال ذلك باعتبار ما كان أو ما سيؤول إليه. روي أن هاجر كانت لسارة رضي اللّه عنها فوهبتها لإبراهيم عليه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وفيه دليل على أن كل ذنب فللّه تعالى أن يغفره) لأن هذا الكلام من إبراهيم عليه الصلاة والسّلام شفاعة منه في حق أهل العصيان مطلقا بأن يغفر لهم ويرحمهم بأي وجه كان. ولا شك أن مطلق المعصية يتناول الشرك وما دونه فلو كان مغفرة الشرك مما يستحيل عليه تعالى لما وقعت هذه الشفاعة منه عليه الصلاة والسّلام كأنه يقول: فإنك تقدر على أن تغفر أو ترحم للمشرك مع عظم جرمه فضلا عن سائر العصاة فأسألك أن تغفر وترحم من لا تكون مغفرتهم ورحمتهم مخالفة لحكمتك. وفي «الوسيط» قال: قوله عليه الصلاة والسّلام وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ معناه ومن عصاني ثم تاب فإنك عفور رحيم. وقال مقاتل: فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم. وقال ابن الأنباري: ويحتمل أن هذا كان قبل أن يعلمه اللّه أنه يغفر الشرك كما استغفر لأبيه. وقال الإمام: هذا القول من إبراهيم عليه الصلاة والسّلام في حق أهل الكبائر ممن آمن منهم لا في إسقاط عقاب الكفر والشرك لأنه عليه الصلاة والسّلام قال في مقدمة هذه الآية: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ولما تبرأ من الكفر بهذا الإجمال دل على أنه لا تجوز الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر ودل ذلك على أنه ليس مراده الشفاعة في حق المشركين. قوله: (الذي حرمت التعرّض له) ذكر لتوصيف البيت بالمحرم ثلاثة أوجه مبنى الوجه الأول على كون المحرم من التحريم الذي هو ضد التحليل وصف البيت بكونه محرما مبالغة في توصيفه بحرمة إهانته والتعرض له بسوء، ومبنى الوجه الآخر ليس على كونه من التحريم بالمعنى المذكور وإنما هو بمعنى المنع كما في قوله:

وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ [القصص: 12] فإنه ليس بمعنى لا يحل له المراضع بل هو بمعنى المنع أي منعناها عنه ليرده إلى أمه، فكذا قوله: عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ أي الممنوع عن الخلق حتى لم يقدر أحد من الفراعنة والملوك على الغلبة عليه أو الممنوع منه الطوفان.

قوله: (ودعا بهذا الدعاء أول ما قدم) جواب عما يقال: إسكان الخليل إسماعيل بمكة قبل بنائهما الكعبة فكيف يصح له عليه الصلاة والسّلام أن يقول: اسكنت بواد عند بيتك المحرم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت