فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 266
المخلد. فَأَلْقَوُا السَّلَمَ فسالموا واخبتوا حين عاينوا الموت ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ قائلين ما كنا نعمل من سوء كفران وعدوان. ويجوز أن يكون تفسير السلم على أن المراد به القول الدال على الاستسلام بَلى أي فتجيبهم الملائكة بلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فهو يجازيكم عليه. وقيل: قوله:
فَأَلْقَوُا السَّلَمَ إلى آخر الآية استئناف ورجوع إلى شرح حالهم يوم القيامة وعلى هذا أوّل من لم يجوز
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المستقبل مبنيا على حكاية الحال الماضية. وقوله: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ يجوز أن يكون معطوفا على تَتَوَفَّاهُمُ لكونه بمعنى الماضي وأن يكون معطوفا على قوله: قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ فتكون المسالمة المذكورة من جملة أحوالهم الواقعة يوم القيامة ولا تكون من جملة مقالة أولي العلم بخلاف ما إذا كان معطوفا على تَتَوَفَّاهُمُ. إلا أن قول المصنف:
«واخبتوا حين عاينوا الموت» يدل على أنه جعله معطوفا على «تَتَوَفَّاهُمُ» . والإخبات الخشوع يقال: أخبت للّه أي تواضع. وأصل الإلقاء في الأجسام، واستعمل هنا في إظهارهم الانقياد إشعارا بغاية خضوعهم واستكانتهم وأنها كالشيء الملقى بين يدي الغالب القاهر. قوله: (ما كنا نعمل من سوء) مقول قول مضمر منصوب على أنه حال من فاعل «القوا» أي فالقوا السلم قائلين ذلك، و «من سوء» مفعول «نعمل» زيدت فيه «من» . ويجوز أن يكون تفسيرا للسلم الذي هو القول، لأنه بمعنى القول الدال على الاستسلام والانقياد والإقرار للّه تعالى بالربوبية كما قال تعالى في آية أخرى: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ [النحل: 86] كأنه قيل: فألقوا ما يدل على الاستسلام وقالوا: ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ وهذا الاستسلام وإن وقع من المشركين يوم القيامة بأن قالوا فيه: ما كنا نعمل في الدنيا من سوء على سبيل الكذب، كان ذلك دالا على صحة قول من يجوّز صدور الكذب من أهل القيامة لفرط الخوف والدهشة وهو ظاهر. وأما الذين قالوا: إن الكذب لا يجوز عليهم، فإنهم قالوا: معنى الآية على تقدير أن يكون المراد من حكاية كلام المشركين يوم القيامة ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ أنّا لم نكن في زعمنا واعتقادنا عاملين سوء، فيجاب عنه ردا عليهم وتكذيبا لهم في قولهم: ما كنا نعمل من سوء بقول: بلى. الخ. ولا يبعد أن يكون قائل هذا القول هو اللّه سبحانه وتعالى أو بعض الملائكة أو الذين أوتوا العلم. والمعنى أنه تعالى عالم بما كنتم عليه في الدنيا فيجازيكم عليه ولا ينفعكم هذا. ثم صرح بذكر العقاب فقال: فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ.
قوله: (وقيل قوله فألقوا السلم الخ) عطف على ما يفهم من التقرير السابق فإنه يفهم منه أن قوله تعالى: فَأَلْقَوُا حكاية لشرح حال الكفار عند القرب من الموت ومعاينته. وعلى هذا القول يكون فَأَلْقَوُا استئنافا يتم كلام الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ عند قوله: ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ويكون قوله: قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إلى قوله: أَنْفُسِهِمْ جملة معترضة بين قوله تعالى: