فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 281
في أرض أو سماء. وَالْمَلائِكَةُ عطف على المبين عطف جبريل على الملائكة للتعظيم، أو عطف المجردات على الجسمانيات. وبه احتج من قال: إن الملائكة أرواح مجردة. أو بيان لما في الأرض والملائكة تكرير لما في السماوات وتعيين له إجلالا وتعظيما. والمراد بها ملائكتها من الحفظة وغيرهم. و «ما» لما استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق «من» تغليبا للعقلاء.
وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (49) عن عبادته
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ يخافونه أن يرسل عذابا من فوقهم أو يخافونه وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [الأنعام: 18] والجملة حال من الضمير في «لا يَسْتَكْبِرُونَ» أو بيان له وتقرير لأن من خاف اللّه تعالى لم يستكبر عن عبادته. وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (50) من الطاعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عطف جبريل على الملائكة) بناء على أن اسم الدابة يتناول الأجسام اللطيفة السماوية والدواب الكثيفة الأرضية من حيث إن كل واحد من النوعين له دبيب يليق به.
فيكون عطف «الْمَلائِكَةُ» على «المبين» من قبيل عطف الخاص على العام إظهارا لشرفه. وإن جعل اسم الدابة مختصا بالحيواني الجسماني الذي يتحرك ويدب وجعل الملائكة أرواحا محضة مجردة عن الدبيب والحركة الجسمانية، يكون من عطف أحد المتباينين على الآخر.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: هلا جيء «بمن» دون «ما» تغليبا للعقلاء على غيرهم؟
والمصنف أجاب عنه بأن استعمال كلمة «ما» في القبيلين حقيقة فهو أولى من سلوك طريق التغليب الذي هو من باب المجاز وقوله تعالى: وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ يجوز أن يكون استئنافا أخبر بذلك عنهم وأن يكون حالا من فاعل «يسجد» وقوله: يَخافُونَ رَبَّهُمْ من باب حذف المضاف أي يخافون عذاب ربهم ومِنْ فَوْقِهِمْ صفة للمضاف المقدر أي الكائن من فوقهم. وصف العذاب بذلك لأن أكثر ما يأتي من العذاب المهلك إنما يأتي من فوق.
ويجوز أن يكون مِنْ فَوْقِهِمْ حالا من ربهم أي يخافون ربهم عاليا عليهم علو الرتبة والقدرة قاهرا لهم كيف يشاء. ويدل على صحة هذا المعنى قوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ* واحتج الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى وصفهم بالخوف فلو لا أنهم يجدون من أنفسهم الإقدام على الذنب لما حصل لهم الخوف؟ وأجيب عنه بوجهين: الأول أنه تعالى حذرهم من العقاب حيث قال: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [الأنبياء: 29] فلخوف العقاب يتركون الذنب. والثاني أن ذلك الخوف خوف الإجلال كقوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: 28] وكقوله عليه الصلاة والسّلام: «إني لأخشاكم للّه» . فإنه يدل على أنه كلما كانت معرفة اللّه تعالى أتم كان الخوف أكثر منه وأعظم، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والهيبة من كمال