فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 297
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ من كل ثمرة تشتهيها مرها وحلوها فَاسْلُكِي ما أكلت سُبُلَ رَبِّكِ في مسالكه التي يجعل فيها بقدرته النور المر عسلا من أجوافك، أو فاسلكي الطرق التي ألهمك في عمل العسل. أو «فاسلكي» ، راجعة إلى «بيوتك» «سبل ربك» لا تتوعر عليك ولا تلتبس ذُلُلًا جمع ذلول وهي حال من السبل أي مذللة ذللها اللّه تعالى وسهلها لك. أو من الضمير في «اسلكي» أي وأنت ذلل منقادة لما أمرت به. يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها عدل به عن خطاب النحل إلى خطاب الناس لأنه محل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقدر عليها المهندسون إلا بالآلات والأنظار الدقيقة. قوله: (من كل ثمرة تشتهيها) إشارة إلى أن الاستغراق المدلول عليه بقوله: مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ المراد به الاستغراق العرفي كما في قوله تعالى: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: 23] فإن بلقيس لم تؤت جميع ما يطلق عليه اسم الشيء بل المراد أنها أوتيت من كل شيء أوتي الملوك إياه. فقوله تعالى: أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا ثم قوله: كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فيه طباق وهو الجمع بين معنيين متقابلين في الجملة لأنه أورد في الأول «من» التبعيضية وفي الثاني كلمة «كل» وفيه إرشاد لها إلى وجوه العمل وترتيبه حيث سخرها اللّه تعالى لأن تسوي البيت ثم تأخذ من كل ثمرة جزءا للجرس للعسل. قوله: (فاسلكي ما أكلت في مسالكه) أي التي هي أجوافك وعروقك على أن قوله: فَاسْلُكِي أمر من سلكت الشيء في الشيء فانسلك أي أدخلته فيه فدخل، وهو متعد ولهذا قدر قوله: «ما أكلت» ليكون مفعولا. والسبل مجاز عن مسالك الغذاء وهي الأجواف والعروق فقوله: «من أجوافك» بيان للمسالك وقوله: «أو فاسلكي الطرق» على أن قوله:
«فاسلكي» لازم من السلوك و «السبل» مجاز والمراد سبل عمل العسل وقوله: فاسلكي راجعة على أن فاسلكي لازم والسبل حقيقة والمراد سبل الرجوع إلى البيوت. فهذه ثلاثة أوجه. أي إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة عن بيوتك فاسلكي سبل ربك راجعة إلى بيوتك. والجرس أكل النحل وهو في الأصل صوت النحل عند الأكل. سمي أكلها جرسا لأنها تصوت عند الأكل. وزاد صاحب الكشاف احتمالا رابعا وهو أن يكون المراد بالسبل سبل الذهاب إلى طلب الثمار ويكون المعنى: ثم اقصدي أكل الثمار فاسلكي في طلبها ومظانها سبل ربك، ولعل الوجه في عدم التفات المصنف إليه كونه مستلزما لأن يكون قوله: ثُمَّ كُلِي بمعنى ثم اقصدي أكل الثمار. والفاء في فَاسْلُكِي على ما هو الوجه الأول للعطف والتعقيب.
وعلى الوجوه الأخر جواب شرط محذوف أي إذا أكلتها فاسلكي. قوله: (وأنت ذلل) جمع الخبر مع أن المبتدأ مفرد لأن الخطاب في قوله تعالى: فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ لجنس النحل بدليل قوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ وقد أشار المصنف إليه بقوله: «وتأنيث الضمير على المعنى» يعني أن الجنس في معنى الجماعة. قوله: (عدل به عن خطاب النحل)