فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 311
لحكمه. وقرئ «تسلمون» من السلامة أي تشكرون فتسلمون من العذاب أو تنظرون فيها فتسلمون من الشرك. وقيل: تسلمون من الجراح بلبس الدروع
فَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا ولم يقبلوا منك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (82) فلا يضرك فإنما عليك البلاغ وقد بلغت.
وهذا من إقامة السبب مقام المسبّب
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ أي يعرف المشركون نعمة اللّه التي عددها عليهم وغيرها حيث يعترفون بها وبأنها من اللّه ثُمَّ يُنْكِرُونَها بعبادتهم غير المنعم بها. وقولهم: إنها بشفاعة آلهتنا أو بسبب كذا أو بإعراضهم عن أداء حقوقها.
وقيل: نعمة اللّه نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عرفوها بالمعجزات ثم أنكروها عنادا. ومعنى «ثم» استبعاد الإنكار بعد المعرفة. وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (83) الجاحدون عنادا. وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان العقل أو التفريط في النظر أو لم تقم عليه الحجة لأنه لم يبلغ حد التكليف. وإما لأنه يقام مقام الكل كما في قوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا وهو نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والكفر ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في الاعتذار إذ لا عذر لهم. وقيل: في الرجوع إلى الدنيا و «ثم» لزيادة ما يحيق بهم من شدة المنع عن الاعتذار لما فيه من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والرمي من قبيل السرابيل. قوله: (وقرئ تسلمون) بفتح التاء واللام مضارع سلم وهو مناسب لقوله: تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ فإن المراد به الدروع الملبوسة في الحروب، إلا أن المصنف لم يرض بكونه مربوطا به واختار كونه مربوطا بقوله: كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ كما أنه مرتبط به على قراءة العامة. قوله: (وهذا من إقامة السبب مقام المسبّب) يعني أن ما هو جواب للشرط حقيقة محذوف وهو فأنت معذور. ولما كان تبليغه عليه الصلاة والسّلام سببا لكونه معذورا غير متضرر بقولهم: أقيم هذا السبب مقام المسبب وجعل جوابا للشرط، وقوله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ استئناف لبيان حالهم في توليهم عن الإيمان وذمهم بأنهم يعرفون جميع ما أنعم اللّه تعالى عليهم من النعم المذكورة في هذه السورة وغيرها، ويعترفون بأن جميعها من اللّه ثم ينكرونها بأن يقولوا: رزقنا اللّه إياها بشفاعة آلهتنا فلا يشكرونها.
والتولي عن الإيمان بهذا الطريق لما كان يستلزم مجاهرة الكفار عنادا لجواز أن لا يعلم المتولي المذكور بطلان اعتقاد أن ما أنعم اللّه عليه، إنما هو بشفاعة الآلهة. قال: وأكثرهم الكافرون ترقيا في ذمهم بمعنى أنهم مع كونهم يعرفون نعمة اللّه ثم ينكرونها كافرون. فإن قيل: هم كلهم كافرون فما معنى قوله: وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ؟ قلنا: لأنه لما حمل الكافر على الجاحد المعاند خرج من تولى جاهلا بصدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لكونه غير معاند، ولأنه كثيرا ما يراد الجميع بلفظ الأكثر كما في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [لقمان: 25] ثم إنه تعالى لما ذكر الذين تولوا عن الإيمان ووصفهم بما وصفهم، اتبعه