فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 462
المدة، علموا أن من قدر على حفظهم من كل ضرر وأذى وإبقائهم فيها لقادر على البعث والإحياء بعد الموت ولا يعجز عن شيء يريد كون.
قوله: (حين أماتهم اللّه تعالى ثانيا) فإن الملك وقومه لما رأوا أصحاب الكهف ووقفوا على أحوالهم عاد القوم إلى كهفهم فأماتهم اللّه تعالى فعند هذا اختلف الناس؛ فقال قوم:
إنهم نيام كالمرة الأولى وقال آخرون: بل الآن ماتوا. قوله: (أو قال طائفة نبني عليهم بنيانا) عطف على قوله: «فقال» . وقوله: «بنيانا» يجوز أن يكون مفعولا به جمع بنيانة وأن يكون مصدرا. قوله: (وقيل لما انتهوا إلى الكهف) أي وروي أن الملك وأهل المدينة لم يدخلوا عليهم وعمي عليهم مكانهم حين دخله الفتى وهو يمليخا. وإنما علم أهل المدينة حقيقة البعث وحقيقة استدلاله بأخبار يمليخا عنهم وثبت عندهم صدقه بما شاهدوا من حاله وما معه. قوله: (قيل هو قول اليهود) وهذا القول يستدعي أن يكون إطلاع أهل المدينة على حال أصحاب الكهف قبل بعثة موسى عليه الصلاة والسّلام، لأن علم اليهود بأحوالهم يستلزم أن تكون أحوالهم مذكورة في التوراة. وذكر في شرح التأويلات أنه اختلف في وقتهم؛ قال بعضهم: كان فيما بين عيسى ومحمد صلوات اللّه عليهما وسلامه. وقال بعضهم: كان ذلك قبل بعث موسى عليه الصلاة والسّلام، وهو قول الحسن وأبي بكر وغيرهما. وهذا أشبه لأنهم إنما سألوا عنه أهل التوراة وهم اليهود فلا يحتمل أن يكون بعد عيسى وهم لا يؤمنون بعيسى ولا بالإنجيل. قوله تعالى: (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ) أي أمر أصحاب الكهف.
قيل: المراد به الملك المسلم. وقيل: أولياء أصحاب الكهف. وقيل: رؤساء البلد لأن من له الغلبة في هذا النزاع لا بد أن يكون أحد هؤلاء. ذكر في القصة أن الملك جعل على باب الكهف مسجدا وجعل عنده عيدا عظيما وأمر أن يؤتى كل سنة. وعن الزجاج أنه قال: هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور لأن المساجد للمؤمنين به. ثم إنه تعالى أخبر أنه سيقع نزاع في عددهم وقد وقع ذلك لما وفد نصارى نجران على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقالت اليعقوبية منهم: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم، وقالت النسطورية منهم: كانوا خمسة سادسهم كلبهم، وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. ولفظ «يقولون» في المواضع الثلاثة جميعا للاستقبال: أما الأول فلكونه مصدرا بسين الاستقبال، وأما الآخران فلكونهما معطوفين على «يقولون» الأول فيكونان داخلين في حكم السين وهو المتبادر من قوله: «اكتفاء بعطفه على ما هو فيه» لأن الواو لما كانت لمطلق الجمع كان معنى «يقولون» بعد «سيقولون» أنه سيحصل منهم الأقوال الثلاثة. فلو قيل:
سيقولون بعد سيقولون لكان تكرارا لما يدل على الاستقبال. وإن جعل الأخيران معطوفين