فهرس الكتاب

الصفحة 3097 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 466

وَاذْكُرْ رَبَّكَ مشيئة ربك وقل: إن شاء اللّه. كما روي أنه لما نزل قال عليه الصلاة والسّلام: «إن شاء اللّه» . إِذا نَسِيتَ إذا فرط منك نسيان لذلك ثم تذكرته. وعن ابن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وجه لشيء منهما. أما الأول فلأن المشيئة المقترنة بالفعل سواء كانت مشيئة الفعل بالفعل توجب الفعل ولا تنافيه حتى يصح استثناؤه من قوله: إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ بكل حال ومشيئة اللّه تعالى بترك الفعل لا يمكن اقترانها بفعل العبد حتى يصح استثناؤها منه. وأما الثاني فلأنه لو كان المراد إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا بكل حال إلا في حال أن تعترض مشيئة اللّه تعالى بترك الفعل لأفاد كون هذا القول منهيا عنه، ولا وجه لأن ينهى العبد عن أن يقول: إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ فيما يستقبل إلا أن يشاء اللّه تعالى مني ترك الفعل، لأن تمكن العبد من الفعل متوقف على انتفاء مشيئة الترك فكيف ينهي عن تقييد الفعل بانتفائها وتعليقه عليه؟ فلما امتنع تعلقه بقوله: إِنِّي فاعِلٌ تعيّن تعلقه بالنهي على أحد الوجهين: نهي اللّه تعالى عن أن يعد الإنسان عدة ولا يستثني فيها لأن العدة إضافة الفعل إلى نفسه، وهو لا يستقل في أفعاله فلذلك أمر بأن يلحق الاستثناء بها لئلا يلحقه معرة الخلف في الوعد إذا لم يفعل ما وعد فقول الواعد: إن شاء اللّه يدفع عنه حنث خلف الوعد على تقدير عدم وفائه بعهده، لأن إرادة اللّه تعالى لا يقدر العبد على إيقاعها فلا يخنث بتركه. إلا أنهم اختلفوا في أن الاستثناء هل يجب أن يكون متصلا بما قبله في اللفظ لدفع الحنث أو لا يجب؟ فذهب ابن عباس ومن تبعه إلى أنه لا يجب أن يكون متصلا به حتى إذا نسي أن يقول إن شاء اللّه ثم تذكر بعد سنة وقاله كفى في دفع الحنث. واحتج عليه بقوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [الكهف: 24] وذلك لأن الظاهر أنه كلام متصل بما قبله والتقدير: إنه إذا نسي أن يقول إن شاء اللّه فليذكره إذا تذكر، وقوله: وَاذْكُرْ غير مختص بوقت معين بل يتناول جميع الأوقات فوجب أن يكون دافعا للحنث في أي وقت ذكره. واعلم أن استدلال ابن عباس ظاهر في أن الاستثناء لا يجب أن يكون متصلا. وأما الفقهاء فقالوا: إنّا لو جوّزنا ذلك لزم أن لا يستقر شيء من العهود والإيمان. حكي أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة خالف ابن عباس في الاستثناء المنفصل فاستحضره لينكر عليه فقال له أبو حنيفة: هذا يرجع عليك فإنك تأخذ البيعة بالإيمان كما يقول المبايع: أبايعك على السمع والطاعة، ثم يؤكدها بالإيمان بأن يقول: واللّه لا أخرج من هذه البيعة. فلو جاز انفصال الاستثناء لجاز أن يخرج من عندك ويستثني بأن يقول إلا زمان كذا أو لأمر كذا أو أن يفعل كذا.

فاستحسن المنصور كلامه ورضي عنه. قال الإمام: حاصل كلامهم يرجع إلى تخصيص النص بالقياس وفيه ما فيه. وأيضا فلو قال: إن شاء اللّه تعالى في نفسه خفية بلسانه بحيث لم يسمعه أحد فهو معتبر ودافع للحنث بالإجماع مع أن المحذور الذي ذكروه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت