فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 24
وإن لم يعلموا ذلك فهم متمكنون من العلم به نظرا، فإن الفتق عارض مفتقر إلى مؤثر واجب ابتداء أو بوسط، أو استفسارا من العلماء ومطالعة الكتب. وإنما قال «كانتا» ولم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض. وأشار المصنف إليه بقوله: «كانتا بحيث لا فرجة بينهما ففرج» وهو ما قيل: إنه تعالى خلق الأرض في موضع بيت المقدس على هيئة النهر عليها دخان لازق بها فاصعد الدخان وخلق منه السموات، وأسكن النهر في موضعه وخلق منه الأرض وبسطها. قال كعب: خلق اللّه السموات والأرض ملتصقتين ثم خلق ريحا توسطهما ففتقهما به. وقيل: المعنى كانت السموات طبقة واحدة ففتقها بالتحريكات المختلفة فجعلها سبع سموات وكذلك كانت الأرض طبقة واحدة وففتقها باختلاف كيفياتها وأحوالها فجعلها سبع أرضين. وقيل: المعنى كانت شيئا واحدا وحقيقة متحدة ففتقها بالهيبة كما جاء في الحديث المشهور: «أول ما نظر إليها نظر الرحمة ارتعدت فجمد نصفها فخلق منه العرش، فاضطرب فكتب عليه لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه فسكن العرش وترك الماء يرتعد على حالته، إلى يوم القيامة» . وذلك قوله:
وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [هود: 7] ثم حصل من تلاطم الماء أدخنة متراكمة بعضها على بعض وزبد فخلق منه السموات والأرض طباقا وكانتا رتقا، فخلق الريح ففتق بين طباق السموات وطباق الأرض ثم جمد ذلك الزبد على وجه الماء ودخى فصار أرضا بقدرته. وقيل: المعنى أن السموات كانت رتقا مستوية صلبة لا تمطر وكذا الأرض كانت رتقا لا تنبت ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات ففتق السماء وهي أشد الأشياء وأصلبها بألين الأشياء وهو الماء، وكذلك فتق الأرض بألين الأشياء وهو النبات مع شدتها وصلابتها، فالآية على هذا القول نظير قوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ [الطارق: 11، 12] ورجح هذا القول بقوله تعالى بعد ذلك: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ [الأنبياء: 30] وذلك لا يليق إلا إذا كان للماء تعلق بما تقدم ولا يكون كذلك إلا إذا كان المراد بالرتق والفتق ما ذكرنا. فإن قيل: هذا الوجه مرجوح لأن المطر لا ينزل من السموات بل من سماء واحدة وهي سماء الدنيا، أجيب بأنه أطلق لفظ الجمع على سماء الدنيا لأن كل قطعة منها سماء كما يقال: ثوب أخلاق وبرمة أعشار. ويجوز أن يراد بلفظ الجمع السموات بأسرها وجعلها مفتوحة مفتوقة بالمطر مبني على أن لها مدخلا في الأمطار، ففتق السموات والأرض بعدما كانتا رتقا على أي معنى كان هو الدليل الأول من الدلائل الستة المذكورة في هذه الآية. قوله: (فإن الفتق عارض) لأنه من جملة الممكنات والممكنات بأسرها حادثة مفتقرة إلى مخصص يخصص أحد طرفيها بالوقوع. قوله: (وإنما قال كانتا) يعني ثنى الضمير الراجع إلى الجمع باعتبار أن المرجوع إليه جماعتان.