فهرس الكتاب

الصفحة 3540 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 223

تعالى نورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار أو بالملائكة والأنبياء. أو مدبرهما من قولهم للرئيس الفائق في التدبير: نور القوم لأنهم يهتدون به في الأمور أو موجدهما، فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره. وأصل الظهور وهو الوجود كما أن أصل الخفاء هو العدم واللّه سبحانه وتعالى موجود بذاته موجد لما عداه. أو الذي به تدرك أو يدرك أهلها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والجزئيات. ولما كان كل واحدة من القوة الحساسة والعاقلة مشابهة للكيفية المذكورة في كونها سبب الإدراك صح إطلاق اسم النور عليه مجازا. ومنها القرآن العظيم والملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، فإن القوة العاقلة قد يعتريها الزيغ والخلل في العلوم النظرية فلا بد لها من هاد ومرشد ولا مرشد فوق كلام اللّه تعالى وفوق إرشاد الأنبياء، فالآيات القرآنية بالنسبة إلى عين القلب بمنزلة نور الشمس إلى الباصرة فلذلك سمي القرآن نورا في قوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا [التغابن: 8] وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: 174] ونفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام أيضا بمنزلة نور الشمس، فكما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها، فكذا نفس النبي يفيد الأنوار العقلية لسائر النفوس البشرية ولا يستفيد النور العقلي من كل شيء من الأنفس البشرية، فلذلك وصف اللّه تعالى نبينا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه سراج منير. وقد ثبت أن الأنوار الحاصلة في أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام مقتبسة من الأنوار الحاصلة في أرواح الملائكة عليهم الصلاة والسّلام قال اللّه تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [النحل: 2] وقال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [الشعراء: 193، 194] وقال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: 4] وهو لا يكون إلا بواسطة الملائكة. فلما كان أرواح الملائكة كالمعادن لأنوار عقول الأنبياء كانت أرواحهم بمنزلة الأنوار أيضا وأقوى من عقول الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام. فهذا هو وجه قول المصنف رحمة اللّه تعالى عليه «إنه تعالى منور السموات والأرض بالملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسّلام» .

قوله: (أو مدبرهما) بأن شبّه التدبير الحسن بالنور في كون كل واحد منهما سبب الاهتداء إلى المصالح، فأطلق اسم النور على التدبير الحسن على سبيل الاستعارة التصريحية، وأطلق النور بهذا المعنى عليه تعالى على طريق التوصيف بالمصدر للمبالغة. قوله: (أو موجدهما) على أن يكون قوله الله: (نورهما) من باب التشبيه البليغ أي كالنور بالنسبة إليهما من حيث كونه مظهرا لهما أي موجدا، فإن أصل التنوير هو الظهور من ظلمة العدم وإنما يظهر بتأثير قدرته تعالى. قوله: (أو الذي به تدرك) على أن يكون المراد منه أنه تعالى نور بالنسبة إلى نفس السموات والأرض وقوله: «أو يدرك أهلها» على أن يكون تقدير الكلام اللّه نور أهل السموات وأهل الأرض. وعلى التقديرين يكون الكلام من باب التشبيه البليغ أيضا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت