فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 386
يحطمونها كقولهم: لا أرينك ههنا، فهو استئناف وبدل من الأمر لا جواب له فإن النون لا يدخله في السعة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18) أنهم يحطمونكم إذ لو شعروا لم يفعلوا كأنها شعرت عصمة الأنبياء من الظلم والإيذاء. وقيل: استئناف أي فهم سليمان والقوم لا يشعرون.
فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها تعجبا من حذرها وتحذيرها واهتدائها إلى مصالحها، أو سرورا مما خصه اللّه به من إدراك همسها وفهم غرضها ولذلك سأل توفيق شكره. وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اجعلني أزع شكر نعمتك عندي أي اكفه وارتبطه لا ينفلت عني بحيث لا أنفك عنه. وقرئ «البزي» وورش بفتح ياء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحسب الظاهر إلى المتكلم لكنه كناية عن نهي المخاطب عن الوقوف في مكانه فيراه. فإن وقوف المخاطب فيه ملزوم لرؤية المتكلم إياه فجعل النهي عن اللازم كناية عن النهي عن الملزوم والفاء في قوله: «فهو استئناف أو بدل من الأمر» لتفريع جواز كل واحد من الأمرين على كون النهي المذكور كناية عن نهي النمل عن الوقوف، لأنه لو كان النهي على ظاهره لما جاز كون «لا يَحْطِمَنَّكُمْ» بدلا من قوله: «ادْخُلُوا» لأن نهي الجماعة لا يصلح أن يكون بدلا من الأمر لجماعة أخرى، بخلاف ما لو جعل كناية فإن المأمور والمنهي حينئذ يكون جماعة النمل فتصح البدلية. ومعنى كلامه: أنه لما كان نهي الجنود عن الحطم كناية عن نهي النمل عن الوقوف جاز أن يكون «لا يَحْطِمَنَّكُمْ» نهيا مستأنفا لا تعلق له بما قبله من حيث الإعراب، وأن يكون بدلا من جملة الأمر قبله وهي ادخلوا ولا مدخل لكون النهي كناية في جواز كونه نهيا مستأنفا وإنما المتفرع عليه جواز كل واحد من الأمرين. قوله: (وقيل استئناف) عطف على ما فهم من تقرير كلامه من أن قوله: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ حال من فاعل «لا يَحْطِمَنَّكُمْ» . قوله تعالى: (فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا) ليس معناه أنه عليه الصلاة والسّلام ضحك متبسما لأن التبسم والضحك لا يجتمعان، بل أراد أنه بالغ في تبسمه حتى بلغ نهايته التي هي أول مراتب الضحك، وكأنه قيل: فتبسم شارعا في الضحك وآخذا فيه. قوله:
(ولذلك) أي ولاختصاصه بهذه النعمة الجليلة التي هي سماعه ما همس به بعض النمل الذي هو مثل في الصغر وإحاطته بمعناه، فإن أحدا من الناس لم يسمع صوت النملة فضلا عن أن يفهم غرضها منه. قوله: (اجعلني أزع شكر نعمتك) إشارة إلى أن همزة «أوزع» للتعدية وأنه من الوزع بمعنى الكف والمنع عن التفرق والانتشار. والوازع من يكف الرعية عن التظالم والفساد وقد مر آنفا أن قوله تعالى: فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل: 17، 83؛ فصلت: 19] بمعنى يحبسون ويمنعون عن الانتشار حتى يجتمعوا في مسيرهم فإنه أحسن في الهيئة وأهيب في الرؤية. سأل عليه الصلاة والسّلام أن يجعله اللّه تعالى وازعا لجيش شكره فيكون قوله:
أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ استعارة مكنية حيث شبّه الشكر بالجماعة النافرة وجعل تعليق الوزع