فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 398
ثم أراهم أنه يتأتى له مالا يتهيأ لعفاريت الجن فضلا عن غيرهم. والمراد بالكتاب جنس الكتب المنزلة أو اللوح. و «آتِيكَ» في الموضعين صالح للفعلية والاسمية. والطرف تحريك الأجفان للنظر فوضع موضعه. ولما كان الناظر يوصف بإرسال الظرف كما في قوله:
وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعتبتك المناظر
وصف برد الطرف والطرف بالارتداد. والمعنى: إنك ترسل طرفك نحو شيء فقبل أن ترده أحضر عرشها بين يديك. وهذا غاية في الإسراع ومثل فيه. فَلَمَّا رَآهُ رأى العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ حاصلا بين يديه قالَ تلقيا للنعمة بالشكر على شاكلة المخلصين من عباد اللّه تعالى. هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي تفضل به عليّ من غير استحقاق.
والإشارة إلى التمكن من إحضار العرش في مدة ارتداد الطرف من مسيرة شهرين بنفسه، أو غيره والكلام في إمكان مثله قد مر في آية الإسراء. لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ بأن أراه فضلا من اللّه بلا حول مني ولا قوة وأقوم بحقه. أَمْ أَكْفُرُ بأن أجد نفسي في البين أو أقصر في أداء مواجبه ومحلهما النصب على البدل من الياء. وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لأنه به يستجلب لها دوام النعمة ومزيدها ويحط عنها عبء الواجب ويحفظها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفعل نحو اضرب وأصله «أأتيك» بهمزتين فأبدلت الثانية ألفا، وأن يكون اسم فاعل فالألف زائدة والهمزة أصلية على عكس الأول. قوله: (والطرف تحريك الأجفان للنظر) فالطرف بالنسبة إلى النظر كالنظر بالنسبة إلى الرؤية. فإن الناظر إذا أراد النظر إلى شيء حرك أجفانه نحو ذلك الشيء فهو إرسال الطرف. وإذا أراد الإمساك عنه رد الأجفان إلى مكانها الأول.
فلما كان وضع الطرف موضع النظر عبارة عن امتداد النور من العين إلى المرئي، كان إغماض الجفن يوهم أن ذلك النور ارتد إلى العين. و «رائدا» في البيت نصب على الحال من «طرفك» وجواب «إذا» «أتعبتك» . والرائد الذي يتقدم القوم لطلب الكلأ لهم أي إذا جعلت عينك رائدا لقلبك لطلب هواها تتعبك مناظرها وتوقعك في أشق المكاره. ثم إن الشاعر فصل ما أجمله في قوله «أتعبتك المناظر» بقوله في البيت الثاني:
رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
واختلف المفسرون في قوله: قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ على وجهين: الأول أنه أراد المبالغة في السرعة كما تقول لصاحبك: افعل ذلك في لحظة، وهذا قول مجاهد.
والثاني أن يكون الكلام على ظاهره. فإن قيل: كيف يجوز أن ينقل العرش من ناحية اليمن إلى أرض الشام في هذا القدر من الزمان؟ وهو يقتضي إما القول بالحركة أو حصول الجسم