فهرس الكتاب

الصفحة 3921 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 602

دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ عذاب الآخرة لَعَلَّهُمْ لعل من بقي منهم يَرْجِعُونَ (21) يتوبون عن الكفر. روي أن الوليد بن عقبة فاخر عليا يوم بدر. فنزلت هذه الآيات.

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها فلم يتفكر فيها و «ثم» لاستبعاد الإعراض عنها مع فرط وضوحها وإرشادها إلى أسباب السعادة بعد التذكير بها عقلا كما في بيت الحماسة:

ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وعدهم بعذاب الدنيا أيضا فقال: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى أي الأقرب فإن عذاب الدنيا قريب دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ يعني به عذاب الآخرة الذي هو أكبر من عذاب الدنيا لكونه شديدا مديدا بخلاف عذاب الدنيا. قوله: (فنزلت هذه الآيات) أي من قوله تعالى:

أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا قال الوليد بن عقبة لعلي رضي اللّه تعالى عنه: إلى كم تهددني، فو اللّه إني لأحد منك سنانا وأشجع منك جنانا وأبسط منك لسانا واملأ منك حشوا في الكتيبة فقال له عليّ: اسكت يا فاسق. فأنزل اللّه تعالى هذه الآيات تصديقا لعلي رضي اللّه عنه. فإن قيل: ما وجه الترجي المستفاد من قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ والترجي محال على اللّه تعالى؟ فالجواب أن المعنى: ولنذيقنهم إذاقة من يرجى رجوعهم إلى الإيمان كما أن قوله: إِنَّا نَسِيناكُمْ معناه تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلا، ويجوز أن يكون المعنى: ولنذيقنهم العذاب إذاقة من رآه لعلهم يرجعون بسببه. ثم إنه تعالى لما هدّد الفاسقين وأوعدهم بعذاب الدارين بيّن استحقاقهم لذلك بقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فإن مجرمي مكة قد ذكروا بمواعظ القرآن ولم يتفكروا فيها ولم يؤمنوا بها فلا أحد أظلم منهم فاستحقوا بذلك لأن ينتقم منهم.

قوله: (بعد التذكير بها) ظرف الإعراض وقوله: «عقلا» متعلق بالاستبعاد تمييز له.

والغماء الكربة الشديدة التي تغطي أهلها. والمراد بها ههنا شدة اقتحام الحرب أي لا يكشف الأمر العظيم إلا رجل كريم يرى قحم الموت ثم يتوسطها. وإنما قال: ابن حرة ليهيجه ويحرضه على الزيارة. والمعنى: إن زيارة غمرات الموت بعد رؤيتها مستبعدة مستنكرة في العقل والعادة وهو مع ذلك يزورها بعد استيقانه بأنها غمرات الموت والزيارة بعد اليقين مما يستبعد، وفي إيثار لفظ الزيارة وإشعاره بأنه يلاقيها لقاء معظم لمحبوبه مبالغة على مبالغة جعل ثم للاستبعاد لا للتراخي: إما زمانا فظاهر لأنه لا وجه لأن يقال في مقام المدح إنه يرى غمرات الموت ثم يمكث زمانا طويلا متفكرا ثم يزورها لأنه ذم له، وإما رتبة فلأنه لا يستقيم أن يقال: إن الأعراض أرفع درجة من التذكير وكذا لا يصح أن يقال في البيت: إن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت