فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 625
وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) وقرن بالرجاء كثرة الذكر المؤدية إلى ملازمة الطاعة، فإن المؤتسى بالرسول من كان كذلك.
وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 214] الآية وقوله عليه الصلاة والسّلام: «سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم والعاقبة لكم عليهم» . وقوله عليه الصلاة والسّلام: «إنهم سائرون إليكم بعد تسع أو عشر» . وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وظهر صدق خبر اللّه ورسوله أو صدقا في النصرة والثواب كما صدقا في البلاء وإظهار الاسم للتعظيم. وَما زادَهُمْ فيه ضمير لما رأوا أو الخطب أو البلاء. إِلَّا إِيمانًا باللّه ومواعيده وَتَسْلِيمًا (22) لأوامره ومقاديره.
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ من الثبات مع الرسول والمقاتلة لإعلاء الدين من صدقني إذا قال لك الصدق، فإن المعاهد إذا وفى بعهده فقد صدق فيه. فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر. والنحب النذر استعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ الشهادة كعثمان وطلحة وَما بَدَّلُوا العهد ولا غيروه تَبْدِيلًا (23) شيئا من التبديل. روي أن طلحة ثبت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحد حتى أصيبت يده فقال عليه الصلاة والسّلام: «أوجب طلحة» . وفيه تعريض لأهل النفاق ومرض القلب بالتبديل وقوله:
لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ تعليل للمنطوق والمعرض به. فكأن المنافقين قصدوا بالتبديل عاقبة السوء كما قصد المخلصون بالثبات والوفاء لعاقبة الحسنى والتوبة عليهم مشروطة بتوبتهم. أو المراد به التوفيق للتوبة. إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) لمن تاب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كثيرا) صفة مصدر محذوف أي ذكرا كثيرا. ثم إنه تعالى لما ذكر أحوال المنافقين والذين في قلوبهم مرض ضعف اليقين وصف حال المؤمنين الخلص حين لقاء الأحزاب فقال: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا) الخطب أو هذا البلاء ما وَعَدَنَا اللَّهُ تعالى في سورة البقرة بقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: 214] وعد اللّه المؤمنين بهذه الآية أن يزلزلوا الكفار ويخوفوهم تخويفا شديدا ووعد أيضا أن يكونوا منصورين عليهم، فلما رأوهم قالوا: هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ على لسان رسوله وكذا وعدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمضمون هذه الآية فقال: إن الأحزاب سائرون إليكم تسعا أو عشرا أي آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك