فهرس الكتاب

الصفحة 4008 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 6، ص: 688

كل واحدة منهما في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة أو بستانا كل رجل منهم عن يمين مسكنه وعن شماله. كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ حكاية لما قال لهم نبيهم أو لسان الحال أو دلالة بأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك. بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) استئناف للدلالة على موجب الشكر أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور فرطات من يشكره. وقرئ «الكل» بالنصب على المدح قيل: كانت أخصب البلاد وأطيبها لم يكن فيها عاهة ولا هامة.

فَأَعْرَضُوا عن الشكر. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ سيل الأمر العرم أي الصعب من عرم الرجل فهو عارم وعرم إذا شرس خلقه وصعب، أو المطر الشديد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واحدة. قوله: (أو بستانا كل رجل) عطف على قوله: «جماعتان» . ويجوز أن يكون المراد بستانين اثنين وتعظيمهما من حيث إن مسكن كل رجل متوسط بينهما وكون جميع المساكن هكذا حالة عظيمة. قوله: (أو دلالة بأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك) عطف على قوله:

«حكاية» لما لم يكن الأمر المذكور واقعا في زمان نزول الوحي على نبينا عليه الصلاة والسّلام وجب جعله محكيا بقول مضمر ومقولا بلسان من بعث إليهم من الأنبياء أو بلسان الحال، أو جعله منزلا منزلة الوحي المحكي المقول لهم من حيث كونهم أحقاء بأن يقال لهم ذلك، فكأنه قيل لهم ذلك فجيء بالجملة كما يجاء بها بعد القول.

قوله: (استئناف) فكأنه قيل: واشكروا له فإن بلدتكم بلدة طيبة وربكم إن شكرتموه فيما رزقكم رب غفور، فارتفاع كل واحد من «بلدة» و «رب» على أنه خبر محذوف. كانت بلدتهم أخصب البلاد وأطيبها حيث كانت المرأة تخرج فتحمل مكتلها على رأسها وتمر بين تلك الأشجار فيمتلئ مكتلها من ألوان الفاكهة من غير أن تمس شيئا بيدها، وطيبها أنه لم يكن فيها عاهة كالوباء والحمى وغيرهما من الأمراض المتفرعة على وخامة الهواء ولا هامة وهي واحدة الهوام المؤذية. قيل: لم ير ببلدتهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا حية ولا عقرب، وكان الرجل الغريب يمر ببلدتهم وفي ثيابه القمل فيموت القمل كله من طيب الهواء فذلك قوله تعالى: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ أي طيبة الهواء. قوله تعالى: (فَأَعْرَضُوا) أي عن القيام بما وجب عليهم من شكر نعم اللّه تعالى وكذبوا رسلهم. قال وهب: أرسل اللّه تعالى إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا فدعوهم إلى اللّه تعالى وذكروهم نعم اللّه تعالى عليهم وأنذروهم عقابه، فقالوا: ما نعرف للّه عز وجل علينا نعمة فقولوا لربكم فليحبس هذه النعم عنا إن استطاع، فانتقم اللّه تعالى منهم بأن أرسل عليهم سيلا غرق أموالهم وخرب ديارهم. قوله: (سيل الأمر العرم) على أن يكون العرم صفة مشبهة من العرام وهي الشدة والصعوبة يقال: عرم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت