فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 197
الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (26) بسبب نسيانهم وهو ضلالهم عن السبيل فإن تذكرة يوم الحساب تقتضي ملازمة الحق ومخالفة الهوى.
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا خلقا باطلا لا حكمة فيه أو ذوي باطل بمعنى مبطلين عابثين كقوله: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ [الأنبياء: 16] أو للباطل الذي هو متابعة الهوى بل للحق الذي هو مقتضى الدليل من التوحيد والتدرع بالشرع كقوله: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ على وضعه موضع المصدر مثل هنيئا. ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا الإشارة إلى خلقها باطلا والظن بمعنى المظنون. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) بسبب هذا الظن.
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ «أم» منقطعة والاستفهام فيها لإنكار التسوية بين الحزبين التي هي من لوازم خلقها باطلا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنصوبة ما يعم الدلائل العقلية والنقلية. قوله: (بسبب نسيانهم) إشارة إلى أن «ما» مصدرية والجار متعلق بالاستقرار الذي تضمنه لهم وكذا «يوم الحساب» متعلق به ظرف له أي لهم عذاب شديد يوم القيامة بنسيانهم القضاء بمقتضى الدلائل العقلية والنقلية أي بتركهم سلوك سبيل اللّه تعالى وضلالهم عنه. وقيل: يوم الحساب متعلق «بنسوا» على أنه مفعول به ومعناه: بما تركوا الإيمان بيوم الحساب أو بتركهم العمل لذلك اليوم. ويؤيده قوله تعالى:
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا [ص: 27] فإنه تذكير عن نسيان يوم الحساب أي ما خلقت ما بينهما من المكلفين لأهملهم فلا آمرهم ولا أنهاهم بل خلقتهم لأمتحنهم وأكلفهم، وإذا كلفتهم ميزت بين محسنهم ومسيئهم بالثواب والعقاب وذلك لا بد أن يكون يوم الحساب أي وذلك يقتضي وجود حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا، لأن مدة هذه الحياة قليلة وأن صفاءها منسوب بالكدر فلا تصلح دار جزاء بل هي دار ابتلاء فقط والجزاء يكون في دار أخرى. قوله: (خلقا باطلا) إشارة إلى أن باطلا صفة مصدر محذوف وعلى قوله:
«ذوي باطل» يكون في موضع الحال من فاعل «خلقنا» . ويحتمل أن يكون حالا من مفعوله أي عاريا عن الحكمة وعلى قوله: «أو للباطل» يكون مفعولا له بأن يكون الباطل بمعنى العبث واللعب وموضوعا موضعه، فإن شرط حذف اللام من المفعول له أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل فلا بد أن يكون مصدرا أو مأولا به. قوله: (مثل هنيئا) تمثيل في كون الصفة موضوعة موضع المصدر فإن «هنيئا» صفة لمصدر محذوف أي كلوا أكلا هنيئا حذف المصدر ووضع هنيئا موضعه، كما أقيم هنيئا مريئا في قوله: فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء: 4] من قام المصدر وهما صفتان لمقدر أي كلوا أكلا هنيئا مريئا. قوله: (بسبب هذا الظن) فإن ظن أن لا حكمة له تعالى في خلق العالم كفر بالحشر والنشر وإثبات السفه له تعالى فيكون