فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 317
احتجاج ثالث ذو وجهين: أحدهما أنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه اللّه إلى البينات ولما عضده بتلك المعجزات، وثانيهما أن من خذله اللّه وأهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله. ولعله أراد به المعنى الأول وخيل إليهم الثاني لتلين شكيمتهم، وعرض به لفرعون بأنه مسرف كذاب لا يهديه اللّه تعالى سبيل الصواب وسبيل النجاة.
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ غالبين عالين فِي الْأَرْضِ أرض مصر فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا أي فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا ليأس اللّه تعالى بقتله، فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد وإنما أدرج نفسه في الضميرين لأنه كان منهم في القرابة وليريهم أنه معهم ومساهمهم فيما ينصح لهم. قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ ما أشير إليكم إِلَّا ما أَرى إلا ما استصوبه من قتله. وَما أَهْدِيكُمْ وما أعلمكم إلا ما علمت من الصواب وقلبي ولساني متواطئان عليه إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ (29) طريق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (احتجاج ثالث) احتج به الرجل المؤمن على أنه لا يجوز قتل موسى وإيذاؤه.
ويمكن تقريره على وجهين: الأول أن الإقدام على قتله مبني على زعم أنه مسرف في ارتكاب الزيف والكذب، ولا وجه لهذا الزعم لأنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه اللّه تعالى إلى إقامة البينات وإظهار المعجزات وقد هداه إليهما فهو رجل واجب التعظيم والإكرام دون التكذيب والإيلام. والثاني أن هذا الاحتجاج مبني على تسليم كلام الخصم وإرخاء العنان كأنه قال: سلمنا أنه مسرف كذاب إلا أنّا لا نسلم أنه يجب عليكم تعرضه بالقتل والإيذاء لأنه تعالى لا يؤيد أمرا مثله بل يخذله ويهلكه عن قريب، فلا وجه للالتفات إليه والاشتغال بشأنه، وعرض به لفرعون بأنه مسرف في عزمه على قتل موسى كذاب في ادعاء الربوبية واللّه لا يهدي من هذا شأنه بل يفضحه ويهدم أمره. ثم إن المؤمن من آل فرعون لما استدل على أنه لا يجوز قتل موسى خوف فرعون وقومه ذلك العذاب الذي توعدهم به في قوله:
يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ فقال: يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ الآية. قوله تعالى:
(ظاهِرِينَ) حال من الضمير في «لكم» والعامل فيها وفي قوله: «اليوم» ما تعلق به «لكم» قوله: (ومساهمهم) أي صاحب سهم ونصيب معهم. ولما قال المؤمن ما قاله في الذب عنه عليه الصلاة والسّلام قال فرعون: ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وهو يجوز أن يكون من الرأي وأن يكون من الرؤية بمعنى العلم يقال: رأي فيه رأيا بمعنى اعتقد فيه اعتقادا، ورآه بعينه أي أبصره، ورآه بقلبه أي علمه. والمعنى على الأول ما أشير إليكم برأي سوى ما ذكرته من أنه يجب قتله حسما لمادة الفتنة. ولما نقل رأى من الرأي إلى باب افعل عدي إلى الضمير المنصوب ثم استثنى استثناء مفرغا فقيل: إِلَّا ما أَرى وعلى الثاني ما أعلمكم إلا ما علمت فيتعدى إلى مفعولين ثانيهما إِلَّا ما أَرى وقوله: «وقلبي ولساني متواطئان عليه»