فهرس الكتاب

الصفحة 4387 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 341

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ لتستريحوا فيه بأن خلقه باردا مظلما ليؤدي إلى ضعف المحركات وهدوء الحواس وَالنَّهارَ مُبْصِرًا يبصر فيه أو به.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والمسيء على وفق عمله أمرنا بإحسان العمل ليحسن جزاؤنا وبيّن أن جزاء المستكبرين عن عبادته سوء الجزاء. واختلف الناس في المراد بقوله: ادْعُونِي؛ فقيل: إنه أمر بالسؤال والتضرع. وقيل: إنه أمر بالعبادة واستدل عليه بقوله تعالى بعده. إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي فإنه لولا أن المراد بالدعاء مطلق العبادة لكان المناسب أن يقال بعده: إن الذين يستكبرون عن دعائي ومسألتي، ولما أردفه بقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي علم أن المراد بالدعاء العبادة، ولما عبّر عن العبادة بالدعاء عبّر عن الإثابة بالاستجابة رعاية للتشاكل. ويدل على صحة هذا التفسير ما روي عن النعمان بن بشير رضي اللّه عنه أنه قال:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن الدعاء هو العبادة» ثم قرأ هذه الآية. ومن حمل كلا من الدعاء والاستجابة على ظاهره ورد عليه أن يقال: كيف يحمل عليه وقد قيل بعده: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي وكان الظاهر حينئذ أن يقال: إن الذين يستكبرون عن دعائي؟ فأشار المصنف إلى جوابه بقوله: وإن فسر الدعاء بالسؤال كان الاستكبار الصارف عنه منزلا منزلته إذ الاستكبار الصارف عن العبادة متحد به ادعاء للمبالغة في استلزام كل واحد الآخر، فإن من استكبر عن مسألة الإحسان من الكريم المنان يستكبر عن عبادته وطاعته أيضا ومن استكبر عن طاعته يستكبر عن مسألة فضله وإحسانه، فصح بذلك تنزيل كل واحد منهما منزلة الآخر وإيراده بدله. وأجاب عنه ثانيا بجواز أن يكون المراد بالعبادة في قوله: يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي هو الدعاء وعبّر عن الدعاء بالعبادة ليعلم أن الدعاء باب من أبوابها كما ورد في الحديث «إن الدعاء مخ العبادة» فإن الدعاء هو الخضوع للباري مع إظهار الافتقار والاستكانة وهو المقصود من العبادة والعمدة فيها، وعن ابن عباس رضي اللّه عنه قال: أفضل العبادة الدعاء لما حث اللّه تعالى عباده على عبادته ذكر دلائل دالة على وجوده وكمال قدرته ووفور رحمته وبالغ حكمته ليكون ذلك أدعى لهم إلى عبادته، ودلائل وجوده تعالى وقدرته إما فلكية أو عنصرية فبدأ بإيراد الدلائل الفلكية فقال: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ الآية وهي كالتعليل للأمر بالدعاء كأنه قيل: إني أنعمت عليكم بهذه النعم الجليلة قبل أن تسألوها ومن هذا شأنه كيف لا يستحق العبادة وكيف لا يستجيب دعاء عبده فيما سأله؟

قوله: (ليؤدي إلى ضعف المحركات وهدوء الحواس) لف ونشر مرتب فإن الليل لكونه باردا رطبا تضعف فيه القوى المحركة ولكونه مظلما يؤدي إلى سكون الحواس فتستريح النفس والقوى والحواس بقلة اشتغالها وأعمالها.

قوله: (يبصر فيه أو به) تصريح بأن النهار ظرف الإبصار أو سببه وليس فاعلا له ليظهر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت