فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 7، ص: 463
«متعت» بالفتح على أنه تعالى اعترض به على ذاته في قوله: وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً مبالغة في تعييرهم. حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُ دعوة التوحيد أو القرآن. وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) ظاهر الرسالة بما له من المعجزات، أو مبين للتوحيد بالحجج والآيات
وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُ لينبههم عن غفلتهم. قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (30) زادوا شرارة فضموا إلى شركهم معاندة الحق والاستخفاف به فسموا القرآن سحرا وكفروا به واستحقروا الرسول.
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ أي من إحدى القريتين مكة والطائف. عَظِيمٍ (31) بالجاه والمال كالوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي، فإن الرسالة منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم، ولم يعلموا أنها رتبة عظيمة روحانية تستدعي عظم النفس بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية لا بالتزخرف بالزخارف الدنيوية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ وقرئ «بل متعنا» أي يقول: بل متعناهم بأنفسهم وأموالهم وسائر أنواع النعم ولم أعاجلهم بعقوبة كفرهم حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُ أي القرآن وَرَسُولٌ مُبِينٌ أي ظاهر الرسالة على أن يكون «مبين» من أبان بمعنى بان وظهر، أو مبين على أن يكون من أبان بمعنى أظهر وكان من حق هذا الإنعام أن يطيعوا الرسول بإجابته فلم يجيبوه وعصوا وهو قوله: فلما جاءَهُمُ الْحَقُ يعنى القرآن قالُوا هذا سِحْرٌ الآية وَقالُوا استحقارا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ أي من إحدى القريتين كقوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن: 22] أي من أحدهما والقريتان مكة والطائف، والوليد بن المغيرة من مكة وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف.
قوله: (اعترض به على ذاته في قوله وجعلها كلمة باقية) على أن يكون المنوي في جعلها ضمير ذاته تعالى وتكون كلمة «بل» للإضراب عن الحكم بأنه تعالى جعل تلك الكلمة باقية في عقبه، لما حكم بذلك اعترض على ذاته بطريق التجريد على منوال قول امرئ القيس:
تطاول ليلك بالإثمد ... ونام الخلي ولم ترقد
فقال: بل متعت هؤلاء وأباءهم بطول العمر وسعة الرزق فشغلهم ذلك عن استماع قول الناصح. وأراد بذلك الاعتراض المبالغة في تعييرهم من حيث إن التمتيع بزيادة النعم ينبغي أن يجعل سببا للشكر والتوحيد لا للشرك واتخاذ الأنداد. ونظير هذا الأسلوب أن يشكو الرجل إساءة من أحس إليه ثم يقبل على نفسه فيقول: أنت السبب في ذلك بإحسان إليه، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح فعله. ثم إنهم لما استحقروه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يعدوه