حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 536
إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر».
الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) أي إذا اكتالوا من الناس حقوقهم يأخذونها وافية، وإنما أبدل على ب «من» للدلالة على اكتيالهم لمالهم على الناس، أو اكتيال يتحامل فيه عليهم.
وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ أي إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم. يُخْسِرُونَ (3) فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله:
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الويل مسده عدل إلى الرفع للدلالة على الثبات والدوام كما في سلام عليك، فلما كان الويل في الأصل مصدرا سادا مسدا الفعل المخصص بصدوره عن فاعل معين كانت النكرة المذكورة متخصصة بذلك الفاعل فساغ الابتداء بها لذلك. وفي الصحاح: الطفيف القليل والتطفيف نقض المكيال، وهو أن لا يملأ إلى أصباره أي رأسه. وفيه أيضا البخس الناقص قال تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف: 20] وقد بخسه حقه يبخسه بخسا إذا انقصه، وسمي البخس في الكيل والوزن تطفيفا أي تقليلا لكون ما يبخس شيئا طفيفا أي قليلا حقيرا، فإن من لا يملأ المكيال إلى جوانبه، وكذا من لا يسوي عمودا لميزان لا ينقص إلا شيئا قليلا من حق المشتري لأن نقص الكثير يظهر فيمنع منه. قوله: (أي إذا اكتالوا من الناس) يعني أن الاكتيال أخذ الحق من الغير بالكيل كما أن الاتزان أخذه منه بالوزن فهما أخذ الحق لنفسه. والكيل والوزن إعطاؤه لغيره بالمكيال والميزان، فحق الاكتيال أن يتعدى بكلمة «من» حيث يقال: كلت من فلان ولا يقال: كلت على فلان إلا أن كلمة «على» أقيمت في الآية مقام «من» لوجهين: الأول الدلالة على أن المأخوذ الحق الثابت له على الناس. فإنه إذا قيل: اكتلت منه لا يفهم منه إلا أنه أخذ منه بالكيل مع قطع النظر عن كون المأخوذ هل هو حق له عليه أولا. والثاني الدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال فيه إضرار لهم وتحامل عليهم، فإن كلمة «على» تدل على الإضرار والظلم يقال: تحامل عليه أي ظلمه. فقولهم: اكتال عليه يفهم منه أنه أخذ منه أخذا متضمنا للتحامل عليه. والوجه الأول أظهر. قوله: (أي إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم) يعني أن الكيل والوزن عبارتان عن الإعطاء للغير بالمكيال والميزان، فاللغة الشائعة فيهما أن يقال:
كالوا لهم أو وزنوا لهم ولا يقال: كاله أو وزنه. ونظم الآية إما من قبيل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه والأصل: كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم، وإما من قبيل الحذف والإيصال كما في قوله:
(ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا) ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر