حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 624
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (6) تعديد لما أنعم عليه تنبيها على أنه كما أحسن إليه فيما مضى يحسن إليه فيما يستقبل. ويجدك من الوجود بمعنى العلم و «يَتِيمًا» مفعوله الثاني أو المصادفة و «يَتِيمًا» حال.
وَوَجَدَكَ ضَالًّا عن علم الحكم والأحكام فَهَدى (7) فعلمك بالوحي والإلهام والتوفيق للنظر. وقيل: وجدك ضالا في الطريق حين خرج بك أبو طالب إلى الشام، أو حين فطمتك حليمة وجاءت بك لترددك على جدك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الابتداء لما تجردت للتأكيد وكانت السين تدل على التأخر والتنفيس حصل من اجتماعهما أن العطاء المتأخر لحكمة كائن لا محالة. قوله: (من الوجود بمعنى العلم) أي ألم يعلمك يتيما فآوى أي فجعل لك مأوى تأوي إليه يقال: آوى فلان إلى منزله يأوي أويا على فعول، وآويته أنا إيواء. وكان يتمه عليه الصلاة والسّلام أن أباه عبد اللّه بن عبد المطلب توفي وأمه عليه السّلام حامل به، ثم ولد عليه السّلام فكان مع جده عبد المطلب ومع أمه آمنة فماتت أمه آمنة وهو ابن ست سنين، ثم مات جده بعد أمه بسنتين وهو عليه السّلام ابن ثمان سنين.
ولما أشرف عبد المطلب على الموت أوصى عليه عليه السّلام أبا طالب لأن عبد اللّه وأبا طالب كانا من أم واحدة، فكان أبو طالب هو الذي يكفل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد جده إلى أن بعثه اللّه تعالى فقام بنصره مدة مديدة، ثم توفي أبو طالب بعد ذلك فلم ير عليه السّلام من أثر اليتم شيئا. فذكره اللّه تعالى هذه النعمة بقوله: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى. قوله: (عن علم الحكم والأحكام) أي وجدك غافلا عن علوم النبوة والأحكام الشرعية فهداك إليها كقوله: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشورى: 52] وقيل: وجدك ضالا في الطريق. روي أنه عليه الصلاة والسّلام خرج مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة غلام خديجة، فبينما هو راكب ناقة ذات ليلة ظلماء وهو نائم فجاء إبليس فأخذ بزمام الناقة فعدل به عن الطريق فجاء جبريل عليه السّلام فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الحبشة.
وقيل: إلى أرض الهند ثم رده إلى القافلة. وقيل: إنه عليه السّلام ضل عن مرضعته حليمة حين فطمته وأرادت أن ترده إلى جده حتى دخلت إلى هبل وشكت ذلك إليه فتساقطت الأصنام وسمعت صوتا: إنما هلاكنا بيد هذا الصبي. وفيه حكاية طويلة وعن ابن عباس رضي اللّه عنه قال: إنه عليه الصلاة والسّلام ضل في شعاب مكة وهو صغير وما زال ضالا حتى كاد الجوع يقتله فرآه أبو جهل وهو منصرف عن أغنامه فرده إلى جده عبد المطلب وهو متعلق بأستار الكعبة يتضرع إلى اللّه تعالى في أن يرد إليه محمدا ويقول بالبيت: رب رد لي محمدا اردده ربي واصطنع بذا يدا. فما زال يردد هذا الكلام حتى أتاه أبو جهل على ناقة ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم بين يديه فقال له: لا تدري ماذا نرى من ابنك؟ فقال عبد المطلب: ما رأيت؟
قال: إني أنخت الناقة وأركبته من خلفي فأبت الناقة أن تقوم، فلما أركبته أمامي قامت الناقة