أقول: وما قرره الحافظ رحمه الله هنا في مراد البخاري هو الظاهر لمن أمعن في صنيع البخاري رحمه الله في كثير من تراجمه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) . فيه دلالة ظاهرة على جواز قراءة الحائض للقرآن لأن من شأن الحاج قراءة القرآن، ولم يرد في منع الحائض من قراءة القرآن شئ صحيح، فيؤخذ بعموم الخبر المتقدم حتى يرد ما يخصصه من صحيح الأخبار.
1 -كما أن قول عائشة - والحديث مخرج في صحيح مسلم من طريق البهي عن عروة عن عائشة - قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه) [1] ، فيه دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحجزه شئ عن قراءة القرآن، لا جنابة ولا غيرها، لأن كلمة"أحيان"نكرة أضيفت إلى معرفة فتفيد العموم، كما ذكر ذلك جماعة من أهل الأصول. وقد قال صاحب مراقي السعود في باب العام ذاكرًا ما يفيد العموم:
وما معرفا بأل قد وجدا ... أو بإضافة إلى معرف
إذا تحقق الخصوص قد نفى [2]
والعام يجب الأخذ به حتى يرد ما يخصصه، فإن كان ثم مخصص عن الشارع، وإلا فيستصحب عموم النص. والأحاديث المرفوعة في منع الجنب من قراءة القرآن كلها معلومة كما تقدم بيان ذلك. فلذلك لا تصلح لتخصيص حديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه) . وقول الصحابي لا يخصص المرفوع. فلذلك لا يصح أن يقال إن قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقول علي بن أبي طالب رضي الله عنهما يخصصان حديث عائشة.
وهذا لو لم يوجد لهما مخالف، فكيف وقد خالفهما ابن عباس وجوز ما منعاه. وأما لو لم يكن في الباب شئ من المرفوع يدل على الجواز، ولم يوجد مخالف لعمر وعلي لوجب الأخذ بقولهما، وعلى ذك تدل الأحاديث الصحاح، وقد سبق ذكر بعضها والله أعلم.
(1) مسلم: 4/ 68 - نووي.
(2) انظر: المراقي: 1/ 208 - نشر البنود.