منه, وفي تفصيل الرخصة جواب عما قال وهذا لأن النظم من السنة غير معجز وإنما النظم لمعناه بخلاف القرآن.
والسنة في هذا الباب أنواع: ما يكون محكما لا يشتبه معناه ولا يحتمل غير ما وضع له, وظاهر يحتمل غير ما ظهر من معناه من عام يحتمل الخصوص أو حقيقة يحتمل المجاز, ومشكل أو مشترك لا يعمل به إلا بتأويل, ومجمل أو
ـــــــ
إلا بعد الأعصار والسنين وذلك يوجب القطع بتعدد روايتها على تلك الألفاظ, وبأن الإجماع منعقد على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم, وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية فلأن يجوز إبدالها بعربية أخرى أولى إذ التفاوت بين العربية وترجمتها بالعربية أقل مما بينها وبين العجمية, فإن قيل لا نزاع في جواز تفسيره بالعجمية أو بالعربية إنما النزاع في أنه لو لم ينقل بلفظه لا يكون حجة ولو قلتم بأنه بعد التعبير بلفظ آخر عربي أو عجمي يبقى حجة قلنا لأن سفراء رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يبلغون أوامره ونواهيه إلى البلاد بلغتهم ويعلمونهم الشرع بألسنتهم, وقد كان ذلك حجة بالاتفاق, ولقائل أن يقول جواز التفسير بلغة أخرى لا يدل على جواز النقل بالمعنى; لأن في التفسير ضرورة إذ العجمي لا يفهم اللفظ العربي إلا بالتفسير ولا ضرورة في النقل بالمعنى ألا ترى أن تفسير القرآن بجميع اللغات جائز ولم يجز نقله بالمعنى بالاتفاق فثبت أن اعتبار النقل بالتفسير لا يصح, وبأنا نعلم قطعا أن اللفظ غير مقصود في باب الحديث كالشهادة. ولهذا كان النبي عليه السلام يذكر المعنى الواحد بألفاظ مختلفة بل المقصود هو المعنى وهو حاصل فلا يلتفت إلى اختلاف اللفظ كالشهادة لما كان المقصود فيها المعنى دون اللفظ صح أداؤها بالمعنى ويعتبر اتفاق الشهود بخلاف القرآن والأذان والتشهد وسائر ما تعبد فيه باللفظ; لأن اللفظ فيها مقصود كالمعنى حتى تعلق جواز الصلاة وحرمة القراءة على الجنب والحائض بالآية المنسوخة فلا يجوز الإخلال به كما لا يجوز بالمعنى وهو معنى قول الشيخ وهذا لأن النظم من السنة غير معجز إلى آخره أي إذا لم يكن معجزا لا يكون مقصودا.
قوله:"والسنة في هذا الباب"أي في النقل بالمعنى. ما يكون محكما لا يشتبه معناه ولا يحتمل غير ما وضع له إنما فسره به إشارة إلى أنه لم يرد به المحكم الذي لا يحتمل النسخ في ذاته إنما أراد به المحكم على التفسير المذكور ونظيره قوله عليه السلام"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"كذا ذكر الشيخ في شرح التقويم قال الغزالي رحمه الله إنما جاز النقل بالمعنى عند جماهير الفقهاء إذا كان ظاهرا مفسرا بأن قال قعد رسول الله على رأس الركعتين مكان ما روي عنه جلس, أو أقام لفظ العلم مقام المعرفة أو الاستطاعة مكان القدرة أو الحظر مقام التحريم ونحوها.