وهي نوعان من المرء على نفسه ومن غيره عليه أما التي من جهته فالجهل والسكر والهزل والسفه والخطأ والسفر والذي من غيره عليه الإكراه أما الجهل فأربعة أنواع جهل باطل بلا شبهة لا يصلح عذرا أصلا في الآخرة
ـــــــ
إنما جعل الجهل من العوارض وإن كان أمرا أصليا; لأنه أمر زائد على حقيقة الإنسان وثابت في حال دون حال كالصغر ومن المكتسبة; لأن إزالته باكتساب العلم في قدرة العبد فكان ترك تحصيل العلم منه اختيارا بمنزلة اكتساب الجهل باختيار بقائه فكان مكتسبا من هذا الوجه وجعل السكر من العوارض المكتسبة وإن لم يكن حصوله في قدرة العبد; لأن سببه وهو شرب المسكر باختياره وغرضه من الشرب حصول السكر كما أن غرض شارب الماء حصول الري فكان السكر مضافا إلى كسبه نظرا إلى السبب والغرض ولا يلزم عليه الرق فإنه جعل من العوارض السماوية وإن كان سببه وهو الكفر باختيار العبد; لأن غرضه من الكفر ليس حصول الرق ولأن السبب هو الاستيلاء على الكافر لا الكفر المجرد والاستيلاء ليس في قدرته واختياره فكان الرق سماويا.
"الجهل"
قوله:"أما الجهل فكذا"قيل الجهل اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به واعترض عليه بأنه يستلزم كون المعدوم شيئا إذ الجهل يتحقق بالمعدوم كما يتحقق بالموجود أو كون المعدوم المجهول غير داخل في الحد وكلاهما فاسد وقيل هو صفة تضاد العلم عند احتماله وتصوره واحترز به عن الأشياء التي لا علم لها فإنها لا توصف بالجهل لعدم تصور العلم فيها قال السيد الإمام أبو القاسم رحمه الله في كتاب رياضة الأخلاق الجهل يذكر ويراد به عدم الشعور ويذكر ويراد به الشعور بالشيء على خلاف ما هو به ويذكر ويراد به السفه قال الله تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] وقال عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا