وما يتصل به من أهلية البشر اختلف الناس في العقل أهو من العلل الموجبة أم لا فقالت المعتزلة إن العقل علة موجبة لما استحسنه محرمة لما استقبحه على القطع والبتات فوق العلل الشرعية فلم يجوزوا أن يثبت بدليل
ـــــــ
لأن هذه الأحكام لا تثبت في حق عديم العقل فلا بد من بيانه أو يتصل بجميع ما ذكرنا من أول الكتاب إلى هاهنا باب بيان العقل لأنها بيان خطابات الشارع وما يتعلق بها والخطاب لا يثبت في حق من لا عقل له فكان بيان العقل وأحكامه من اللوازم.
"قوله اختلف الناس"أي أهل القبلة في كذا فقالت المعتزلة: العقل علة موجبة لما استحسنه مثل معرفة الصانع بالألوهية ومعرفة نفسه بالعبودية وشكر المنعم وإنقاذ الغرقى والحرقى محرمة لما استقبحه مثل الجهل بالصانع جل جلاله والكفران بنعمائه والعبث والسفه والظلم على القطع والبتات فوق العلل الشرعية لأن علل الشرع ليست بموجبة لذواتها بل هي أمارات في الحقيقة ويجري فيها النسخ والتبديل والعقل بذاته موجب ومحرم لهذه الأشياء من غير أن يجري فيها التبديل فكان في الإيجاب والتحريم فوق العلل الشرعية. والمراد من الإيجاب والتحريم فيه أن الشرع لو لم يكن واردا في هذه الأشياء بالإيجاب والتحريم لحكم العقل بوجوبها وحرمتها ولم يتوقف ثبوتهما على السمع وذكر الشيخ الإمام نور الدين الصابوني1 رحمه الله في الكفاية أن المراد من وجوب الإيمان وحرمة الكفر بالعقل ليس استحقاق الثواب بفعله أو العقاب بتركه إذ الثواب والعقاب لا يعرفان إلا بورود السمع وليس في العقل إمكان الوقوف عليهما فكيف يحكم باللزوم قبل ورود الشرع لكن المراد من الوجوب أن يثبت في العقل نوع ترجيح للإيمان بربه والاعتراف بخالقه وإضافة وجوده وبقائه إلى إيجاده وإبقائه ومن الحرمة أن يثبت نوع ترجيح للمنع عن
ـــــــ
1 هو الإمام نور الدين أحمد بن محمود بن أبي بكر الصابوني البخاري المتوفي سنة 580 هـ انظر معجم المؤلفين 2/171.