الشرع ما لا يدركه العقول أو تقبحه وجعلوا الخطاب متوجها بنفس العقل وقالوا لا عذر لمن عقل صغيرا كان أو كبيرا في الوقف عن الطلب وترك الإيمان وقالوا الصبي العاقل مكلف على الإيمان وقالوا فيمن لم يبلغه الدعوة فلم يعتقد إيمانا ولا كفرا وغفل عنه أنه من أهل النار وقالت الأشعرية أن لا عبرة بالعقل أصلا دون السمع وإذا جاء السمع فله العبرة لا للعقل وهو قول بعض أصحاب الشافعي رحمه الله حتى أبطلوا إيمان الصبي وقالت الأشعرية فيمن لم تبلغه الدعوة فغفل عن الاعتقاد حتى هلك إنه معذور قالوا ولو اعتقد الشرك ولم
ـــــــ
الاستغناء عن مالكه واعتراف بالألوهية لغير خالقه بحيث لا يحكم العقل أن الترك والإتيان في هذه الأمور بمنزلة واحدة بل نعقل ضرورة أن الإتيان بما يقتضيه العقل يوجب نوع مدحة والامتناع عنه يوجب نوع لائمة وإن لم يعين ذلك يعني يعرف بالعقل ترجيح جانب الوجود أو العدم ولا يعرف أن الجزاء هو الجنة أو النار أو غيرهما وكذا الشكر إظهار النعمة من المنعم ومتى عرف أن الكل من الله تعالى يحرم عليه الكفران على معنى أن عقله يمنعه أن يدعي ذلك لغير الله تعالى.
فلم يجوزوا أن يثبت بدليل الشرع ما لا تدركه العقول أو تقبحه فأنكروا ثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة بالنصوص الدالة عليها قائلين بأن رؤية موجود بلا جهة وكيف مع أنه لا بد للرؤية من جهة معينة ومسافة مقدرة لا في غاية البعد ولا في غاية القرب مما لا يهتدي إليه العقل فلا يجوز أن يرد بثبوتها النص. وأنكروا أن يكون المتشابه مما لا حظ للراسخين فيه لأنه لو كان كذلك لكان إنزال المتشابه أمرا باعتقاد ما لا يدركه العقل وأنه لا يجوز وأنكروا أن تكون القبائح من الكفر والمعاصي داخلة تحت إرادة الله تعالى ومشيئته ولأن إضافتها إلى إرادته ومشيئته مما يقبحه العقول فلا يجوز أن يرد الشرع بذلك وجعلوا الخطاب أي التكليف بالإيمان متوجها بنفس العقل لأن العقل أصل موجب بنفسه عندهم فوق الدليل الشرعي فإذا صار الإنسان بحال يحتمل عقله الاستدلال بالشاهد على الغائب فقد تحققت العلة الموجبة في حقه فيتوجه عليه التكليف بالإيمان ثم فسر ذلك بقوله وقالوا لا عذر لمن عقل صغيرا كان أو كبيرا في الوقف أي الوقوف عن طلب الحق وترك الإيمان بالله عز وجل فكان الصبي العاقل مكلفا بالإيمان وكان من لم تبلغه الدعوة أصلا ونشأ على شاهق جبل فلم يعتقد إيمانا ولا كفرا ومات على ذلك من أهل النار لوجود ما يوجب الإيمان في حقه وهو العقل وقالت الأشعرية لا عبرة بالعقل أصلا يعني لا مدخل له في معرفة حسن الأشياء وقبحها بدون السمع ولا أثر له في إيجاب الأشياء وتحريمها بحال بل الموجب هو السمع حتى أبطلوا إيمان الصبي لعدم ورود الشرع في